من يريد إضعاف “الأحرار” بجهة فاس-مكناس؟ قراءة في مؤشرات السقوط الحتمي وهواجس “الخَرْبَقَة التنظيمية”

من يريد إضعاف “الأحرار” بجهة فاس-مكناس؟ قراءة في مؤشرات السقوط الحتمي وهواجس “الخَرْبَقَة التنظيمية”

​يونس لكحل    
                       
                  
​في السياسة، لا تولد الأزمات فجأة، بل تتراكم بصمت قبل أن تتحول إلى سؤال وجودي. هذا ما يعيشه اليوم حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة فاس-مكناس، حيث تتقاطع التحولات على مستوى القيادة الوطنية مع حسابات جهوية دقيقة، لتفرز جدلاً واسعاً حول: من يقف وراء إضعاف الحزب في واحدة من أهم قلاعه الانتخابية؟
​بدأ هذا التحول مع بروز اسم محمد شوكي رئيساً للحزب؛ وهو المنسق الجهوي الذي قاد سفينة “الأحرار” بالجهة في مرحلة اتسمت بالتماسك التنظيمي والقدرة على امتصاص التناقضات. لكن اتضح الآن أن مرحلة إعادة ترتيب موازين القوى قد انطلقت بهدوء مرحلي، قبل أن تتفجر بتداول معطيات وأخبار تؤكد توجه المكتب السياسي لتعيين المنسق الإقليمي للحزب بفاس الجنوبية ونائب رئيس مجلس الجهة، منسقاً جهوياً جديداً.
​هذا القرار، وفق معطيات من داخل الحزب، لن يمر بسلاسة، بل قد يخلق جدلاً واسعاً بين المنسقين الإقليميين الذين عبّر كثير منهم في نقاشات مغلقة عن قناعة مفادها أن هذا الاختيار مجانب للصواب من زاوية تنظيمية وسياسية؛ بحيث يصفون الوضع كأنه تحول من “قيادة توافقية” إلى “إدارة صدامية”.
​فقد اعتمدت مرحلة شوكي بشكل واضح على بناء توازنات داخلية، وإدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع. وكان يُنظر إليه كـ“رجل توافق” بين المركز (القيادة الوطنية) ومنتسبي الحزب بالجهة، من خلال امتلاكه القدرة على جمع المنتخبين والبرلمانيين حول رؤية موحدة، ما منح الحزب صورة التنظيم المتماسك، وأعطى انطباعاً واقعياً حول تحويل المشاريع التنموية إلى رأسمال انتخابي…
​في المقابل، يرى منتقدو قرار التعيين المرتقب للمنسق الجهوي الجديد توجهاً في مسار إضعاف الحزب، بل إن منهم من ذهب إلى وصف الوضع بـ “السكتة القلبية” الحتمية إن تم هذا التعيين! فنائب رئيس الجهة -بحسبهم- لا يمتلك القدرات التنظيمية والمؤهلات لقيادة الحزب بجهة من حجم فاس-مكناس، وما تمتلكه من نخب ذات تجربة وكفاءة. ويرون أن تجربته كمنسق إقليمي لفاس الجنوبية لا تمنحه الأهلية للتنسيق الجهوي، لأن اسمه ارتبط –وفق روايات داخلية– بسلسلة صدامات مع منتخبين ورؤساء جماعات وبرلمانيين، بسبب افتقاره لإدارة الحوار والتفاوض الرصين حول تنزيل الشراكات التنموية بين مجلس الجهة وباقي المؤسسات المنتخبة.
​والمشكلة هنا ليست شخصية بقدر ما هي بنيوية؛ فحين يغيب الحس التوافقي في جهة تحتاج إلى شبكة معقدة من التحالفات المحلية، قد تتحول القيادة الجهوية من عنصر توحيد إلى بؤرة توتر متواصلة. وداخل كواليس الحزب، أصبح يتردد سؤال أكثر حساسية: هل ما يحدث مجرد سوء تقدير، أم أن هناك إرادة خفية لإعادة تشكيل الخريطة الداخلية للحزب، ولو على حساب قوته الانتخابية؟
​فبعض المنتخبين لا يخفون تشاؤمهم، ويصفون تعيين المنسق الجهوي الجديد بأنه “دق لمسمار النهاية”؛ وهو توصيف يعكس خشية من موجة إحباط قد تؤدي إلى عزوف تنظيمي أو تصويت عقابي. كما أن الفرضيات المتداولة تشير إلى أن إضعاف قطب جهوي قوي ( حزب الاحرار بفاس مكناس )  قد يخدم توازنات مركزية بعينها  عبر منع بروز زعامات وازنة، وهو ما يفسر -حسب العارفين بالكواليس- بأن الدفع بهذا التعيين الذي قد يؤدي إلى انقسامات وهجرة جماعية للنخب، كما يروج حالياً حول قضية البرلماني خالد العجلي الذي تفيد الأخبار باحتمال انسحابه قريباً…
​فإختيار شخصية تفتقر للكاريزما التوافقية في ظرفية تحتاج لملمة الصفوف يعد ممارسة سياسية سلبية سيكون لها تداعيات وخيمة، خاصة وأن الجهة تمثل ثقلاً انتخابياً لا يمكن تعويضه. وإذا استمر هذا الاحتقان، فإن الحزب أمام سيناريوهات قاتمة: استنزاف صامت، اضمحلال سياسي، أو انقسامات وانسحابات كبرى.
​ليبقى السؤال الجوهري: من المستفيد من إضعاف الحزب بهذا التعيين؟ قد لا تكون الأجوبة سهلة، لكن الوقائع تكشف وجود مخططات تتسلل من الداخل تحت عنوان “الاختيار التنظيمي”. وإذا لم تُستوعب إشارات فاس-مكناس جيداً، فقد تتحول الجهة من رافعة انتخابية إلى عبء استراتيجي وسقوط مدوٍ وحتمي في الاستحقاقات الانتخابية القادمة .

الاخبار العاجلة