من اعتراف يوتيوبر إلى صرخة جيل: هل تفضح مواقع التواصل جراح الطفولة المسكوت عنها في البيوت المغربية؟

من اعتراف يوتيوبر إلى صرخة جيل: هل تفضح مواقع التواصل جراح الطفولة المسكوت عنها في البيوت المغربية؟
جليلة بنونة
جليلة بنونة

بقلم ذة جليلة بنونة

لم تكن الفيديوهات التي نشرتها يوتيوبر مغربية على صفحتها بموقع فيسبوك مجرد اعتراف شخصي مؤلم، بل تحولت إلى لحظة كشف جماعي لجرح اجتماعي ظل طويلا في منطقة الصمت. الشابة تحدثت بصراحة عن طفولة موسومة بالعنف، مؤكدة أن ما تعرضت له من معاملة قاسية من أمها ترك آثارا نفسية ما تزال تلازمها في مرحلة البلوغ، وتنعكس على ثقتها بنفسها وعلاقاتها واختياراتها الحياتية.

بحسب ما ورد في فيديوهاتها، فإن ما عاشته لم يكن “تأديبا” أبويا، بل ممارسات عنيفة ومهينة وصفتها باللا إنسانية. شهادتها أعادت طرح سؤال جوهري: ماذا يفعل العنف في الطفولة بإنسان حين يكبر؟ وهل يمكن حقا فصل الماضي عن الحاضر حين تكون الذاكرة مثقلة بالخوف والإهانة؟

التفاعل مع الفيديوهات كان لافتا، ليس فقط من حيث حجم المشاهدات، بل من حيث طبيعة التعليقات. فبدل أن تظل القصة حالة فردية، امتلأت المساحة الرقمية بشهادات صادمة لمتابعين مغاربة تحدثوا عن تجارب مشابهة داخل أسرهم. قصص عن عنف جسدي ونفسي، عن إهانات يومية، عن تخويف وتحقير باسم التربية والانضباط. كثير من هذه الشهادات بدا أكثر قسوة من الرواية الأصلية نفسها، ما يعزز القناعة بأن الأمر لا يتعلق بحالة معزولة، بل بنمط اجتماعي أوسع ما يزال يجد لنفسه مبررات ثقافية.

الأثر الأعمق للعنف في الطفولة لا يظهر دائما في كدمات واضحة، بل في تشوهات داخلية صامتة. بالغون يعانون اضطرابات قلق مزمنة، صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، خوف دائم من الفشل أو الرفض، ميل إلى الانعزال أو إلى إعادة إنتاج نفس أنماط العنف في علاقاتهم. الطفولة ليست مرحلة تطوى ببساطة، إنها البنية التحتية للشخصية. وحين تبنى هذه البنية على الخوف بدل الأمان، يصبح التعافي مسارا طويلا ومعقدا.

المثير أن كثيرا من المعلقين لم يكتفوا بسرد تجاربهم، بل ذهبوا أبعد من ذلك، داعين إلى إعادة التفكير في الجاهزية النفسية للآباء قبل الزواج والإنجاب. طرحت فكرة إخضاع المقبلين على الزواج لتقييم أو تأهيل نفسي يضمن حدا أدنى من الوعي بأساليب التربية السليمة وإدارة الغضب والتواصل مع الأطفال. قد تبدو الفكرة للبعض مثالية أو صادمة، لكنها تعكس حجم الألم المتراكم الذي دفع فئة من الشباب إلى التشكيك في أهلية بعض الأسر لتحمل مسؤولية التنشئة.

النقاش الذي فجرته هذه الفيديوهات يكشف مفارقة مؤلمة: المجتمع يطالب الأبناء بالنجاح والتوازن والاندماج، لكنه يتجاهل أحيانا البيئة النفسية التي نشأوا فيها. يتم التركيز على النتائج، فيما تهمل الأسباب. وحين يتحدث أحدهم عن معاناته، يواجه أحيانا بالتقليل أو الاتهام بالمبالغة، بدل الإنصات والتفكير في جذور المشكلة.

ما حدث على “فيسبوك” ليس مجرد تفاعل عاطفي او اكسبلور زائل، بل مؤشر على تحول في وعي جيل لم يعد مستعدا لتبرير العنف باسم التربية. جيل يربط بوضوح بين ما عاشه في طفولته وما يعيشه اليوم من صراعات داخلية. وإذا كانت هذه الشهادات قد صدمت كثيرين، فهي في الوقت ذاته تفتح نافذة ضرورية لنقاش عمومي حول التربية، والصحة النفسية، ومسؤولية الأسرة.
العنف في الطفولة لا ينتهي بانتهاء الضرب، إنه قد يمتد سنوات طويلة في شكل قلق، هشاشة، أو حتى عنف مضاد. لذلك فإن الاعتراف بالمشكلة ليس تهجما على الأسرة، بل خطوة أولى نحو حمايتها من إعادة إنتاج الألم.

وما كشفته هذه اليوتيوبر، ومعها مئات الأصوات في التعليقات، يؤكد أن الصمت لم يعد خيارا، وأن زمن مساءلة أنماط التربية القاسية قد بدأ بالفعل.

الاخبار العاجلة