
مصطفى مجبر -المغرب العربي بريس
في كل مأساة جماعية، يظهر وجهان: وجه الألم الصامت، ووجه آخر صاخب يلوّح بالهاتف قبل أن يمدّ اليد. فبين أنقاض البيوت وذهول الوجوه، اختار بعض صناع المحتوى أن يكونوا حاضرين لا بقلوبهم، بل بعدساتهم، محوّلين الفاجعة إلى عرض رقمي قابل للتداول السريع.
لم يعد المشهد استثناءً، بل سلوكًا يتكرر كلما ضربت كارثة أو وقعت فاجعة. الكاميرا تسبق الإسعاف، والعنوان المثير يسبق السؤال البديهي: أين كرامة الضحية؟ باسم “نقل الواقع”، يُختزل الإنسان في لقطة، ويُضغط وجعه ليتناسب مع زمن المشاهدة، بينما تُقاس المأساة بعدد المشاركات لا بحجم الخسارة.
هذا ليس إعلامًا، ولا توثيقًا، ولا حتى تضامنًا. إنه نوع جديد من الاستهلاك القاسي، حيث يُعاد تدوير الألم ليخدم صورة افتراضية، ويُستثمر الحزن لبناء حضور رقمي هشّ، لا يعيش إلا على مآسي الآخرين. هنا، تتحول الفاجعة إلى فرصة، والدموع إلى وقود للانتشار.
الأخطر أن هذا السلوك لا يسيء للضحايا وحدهم، بل يربك المعنى الإنساني للتضامن، ويجعله فعلًا استعراضيًا بلا روح. فحين يصبح الألم مادة، تفقد الرحمة وزنها، ويُمحى الحدّ الفاصل بين التعاطف الحقيقي والفرجة الباردة.
الكارثة ليست “ترندًا”، والوجع ليس محتوى. وما لم يُعاد ضبط البوصلة الأخلاقية في الفضاء الرقمي، سنجد أنفسنا أمام عالم يوثّق كل شيء… إلا إنسانيته.”

