
مصطفى مجبر- المغرب العربي بريس
المياه اجتاحت البيوت والحقول، وفتحت الطرق على مصراعيها من طنجة إلى العرائش، ومن تطوان إلى القصر الكبير، ومن شفشاون إلى تاونات والغرب. بينما كان المواطن يواجه الغرق والذعر والبرد، اختفت الحكومة، وتوارى صانع القرار وراء الصمت الرسمي والغياب السياسي.
هذا الفراغ لم يكن مجرد غياب عن المشهد، بل انعكاس لحقيقة أكبر: حكومة تختفي عندما يحتاجها المواطن، وحكومة تتحرك فقط حين يكتمل المشهد الانتخابي أو البروتوكولي. في البرلمان، أُغلق باب النقاش حول الكارثة، وانتهت الدورة التشريعية دون أي توضيح أو بيانات دقيقة، وكأن الفيضانات يمكن تأجيلها إلى ما بعد الإجازة البرلمانية.
في المقابل، وجدت السلطات المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية نفسها في الواجهة، تؤدي واجبها دون أي غطاء سياسي، تتحمل ضغط المواطنين وتواجه تساؤلاتهم، بينما الحكومة غير موجودة إلا على الورق. غياب القيادة بهذا الشكل يحوّل كل أزمة طبيعية إلى أزمة ثقة، ويضعف قدرة الدولة على إدارة المخاطر بشكل متكامل.
غياب رئيس الحكومة عن المناطق المنكوبة لم يعد حادثاً عرضياً، بل أصبح سمة متكررة، تطرح تساؤلات جدية: من يقود البلاد في أوقات الطوارئ؟ ومن يتحمل الكلفة السياسية لأي تقصير محتمل؟
أما قطاع الماء والتجهيز، فقد برز غامضاً في تدبير السدود والمياه، مع ندرة المعطيات الدقيقة، مما يزيد شعور المواطنين بعدم وجود إدارة واضحة للأزمات. في زمن الفيضانات، وضوح المعلومات لا يقل أهمية عن التدخل الميداني نفسه، لأنه يمس الأرواح والثقة العامة.
ما حدث في الشمال ليس مجرد فيضانات، بل صفعة سياسية قوية. صفعة تقول إن الفجوة بين المواطن والحكومة تتسع، وإن الشعور بالوحدة في مواجهة الخطر أصبح واقعاً ملموساً. الحكومة الغائبة لم تعد مشكلة بروتوكولية، بل أصبحت أزمة ثقة حقيقية تهدد العلاقة بين الدولة والمواطن، وتتطلب إصلاحاً عاجلاً في أسلوب الحكم وتدبير الطوارئ.

