
مصطفى مجبر- المغرب العربي بريس
لم يعد خافيًا أن المغرب يوجد اليوم تحت مجهر عدائي واضح، تتقاطع فيه مواقف بعض العرب والأفارقة، لا بدافع المنافسة الشريفة، بل نتيجة عجزٍ مزمن عن تقبّل التحول الذي فرضه المغرب كقوة كروية وتنظيمية صاعدة. هذا التكالب لا يُواجَه بالردود ولا بالاستجداء العاطفي في منصات التواصل، بل يُحسَم حيث تُحسَم كل الحقائق: داخل المستطيل الأخضر.
الملعب وحده كفيل بإسكات الأصوات المأزومة، وكشف من يملك مشروعًا حقيقيًا، ومن يكتفي بالضجيج والتشكيك. لذلك، فإن هذا المناخ العدائي يجب أن يُقرأ كدليل قوة، ودافع إضافي لمزيد من التركيز، والانضباط، والإصرار على التتويج، لا كعامل إرباك أو تراجع.
التعاطف، حين وُجد، كان محدودًا ونادرًا. بعض الأصوات التونسية اختارت الحياد والموضوعية، ورفضت الانخراط في حملة التحريض غير المعلنة. في المقابل، انزلقت أطراف أخرى، خصوصًا من كوت ديفوار والكاميرون، إلى مقارنات مكرورة حول التنظيم، لا تهدف إلى النقاش بقدر ما تعكس شعورًا مكبوتًا بالغيرة، وعجزًا عن الاعتراف بتجربة مغربية تجاوزتهم زمنًا وأداءً.
أما الموقف المصري، فلم يكن مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا. فهناك فئة ما زالت أسيرة ذهنية التفوق الوهمي، لا تقبل الشراكة ولا المنافسة، وتُجيد النظر من “البرج العالي” أكثر مما تُجيد قراءة الواقع. ورغم أن المغرب ساند المنتخب المصري في دور المجموعات، جاءت أول لقطة تحكيمية مثيرة للجدل لتسقط الأقنعة، وتُظهر هشاشة الخطاب وسرعة الانقلاب على المبادئ.
الأمر لم يتوقف هنا. فقد اختارت أطراف أخرى الاصطفاف والتحالف بدافع الحقد الرياضي وتصفية حسابات قديمة، متناسية عمدًا كل الشعارات المستهلكة عن الأخوة والتاريخ المشترك. والسبب واضح: نجاح المغرب بات مزعجًا، والتقدم السريع أربك منظومات اعتادت البقاء في الصدارة دون محاسبة أو تطوير.
اللافت أن الخطاب المصري والجزائري التقى شرقًا في محاولة مكشوفة للتقليل من حجم الإمكانيات المغربية، والتنقيص من بنية تنظيمية ورياضية بُنيت على العمل والاستثمار، لا على الصدفة أو الشعارات. وفي السياق ذاته، لم تكن بعض الإشارات الصادرة عن السنغال بريئة، بينما عبّر الإيفواري والكاميروني، كلٌّ بأسلوبه، عن غيرة دفينة تخفيها لغة المقارنات والاتهامات.
السؤال الذي يُرعب هؤلاء بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: كيف تمكّن المغرب من فرض نفسه، في زمن قياسي، كقوة كروية وتنظيمية يُحسب لها الحساب، بينما لا تزال دول أخرى، بتاريخها وإمكاناتها، عاجزة عن مجاراة هذا الإيقاع؟
بدل البحث عن الجواب في التخطيط والعمل، يُفضّل البعض الهروب إلى التشكيك، واستبدال التحليل بالتقليل، ومواجهة النجاحات بالاتهام.
ربما آن الأوان لمراجعة أوهام القومية الرياضية. فالمغرب، بهويته الأمازيغية الراسخة، وانفتاحه الحضاري، لا يحتاج إلى شهادات حسن سلوك من أحد. ما يجمع الشعوب حقًا هو القيم، لا الشعارات الفضفاضة، والإسلام كدين عالمي لا تحكمه حدود العرق ولا الجغرافيا.
في المحصلة، المغرب لا ينتظر التصفيق، ولا يبحث عن الرضا. ما يحتاجه فقط منتخب يُقاتل حتى النهاية، وجمهور واعٍ لا ينجرّ للاستفزاز، ومشروع يُتوَّج بالألقاب. أما الباقي، فمجرد ضجيج عابر… وسيسقط عند أول صافرة حقيقة.

