بقلم: ذة جليلة بنونة
في كل مرة يتجلى فيها القمر الدموي في السماء، ويغمر العالم بحمرته الغامضة، تنقسم نظرة البشر إلى هذا الحدث الكوني بين من يرى فيه آية من آيات الخالق تدعو إلى التأمل والتدبر، وبين من يربط ظهوره بفرصة سانحة لممارسة طقوس السحر والشعوذة، في مفارقة تكشف الكثير عن وعينا الجمعي ومستوى فهمنا للعلم والدين والكون.
علميا يعرف القمر الدموي بأنه خسوف كلي للقمر يحدث عندما تمر الأرض بين الشمس والقمر، وتحجب ضوء الشمس عن سطح القمر، لتلقي عليه ظلها الأحمر القاتم بفعل تشتت الضوء في الغلاف الجوي.
هي لحظة فلكية نادرة، تبهر كل من يرفع عينيه إلى السماء، وتمنح المهتمين بالتصوير، الفلكيين، والمحبين للطبيعة فرصة فريدة لتوثيق مشهد خارج عن المألوف.
في المغرب، على غرار باقي دول العالم، ينتظر الكثيرون هذا الحدث بشغف وهدوء، يصطحبون كاميراتهم أو تلسكوباتهم، يصعدون إلى اعالي المباني، أو يكتفون بمشاهدته من شرفات منازلهم. البعض يتأمل، والآخر يوثق، ولكن الغاية واحدة: الإعجاب بجمال الخلق وتفكر في النظام الكوني المحكم.
في المقابل، لا يزال هناك من يرى في القمر الدموي أكثر من مجرد ظاهرة طبيعية.
في أوساط معينة، خصوصا تلك التي تنتشر فيها الخرافة وغياب الوعي العلمي والديني، يتحول هذا الحدث إلى توقيت “مناسب” لإجراء طقوس سحرية وشعوذة، يعتقد أنها تصبح أكثر “فعالية” تحت ضوء القمر الأحمر.
و في بعض هذه الممارسات:
تستخدم تعويذات خاصة مرتبطة بالقمر.
يتم استحضار أرواح أو كيانات مزعومة.
تنفذ أعمال ربط، تفريق، أو إيذاء، اعتقادا بقدرة القمر الدموي على “فتح بوابات طاقية”.
هذه الطقوس قد تبدو خرافية، لكنها حقيقة حاضرة في ممارسات بعض الأشخاص، وتروج لها عبر الإنترنت أو داخل مجتمعات مغلقة.
ما بين الطرفين تتجلى أزمة معرفية وثقافية، تعيد طرح السؤال:
كيف يمكن أن تكون الظاهرة ذاتها مصدر إلهام وتفكر في خلق الله لدى البعض، ومجرد “فرصة” لممارسة الخداع والضرر عند آخرين؟
هذه المفارقة ليست فقط دينية أو علمية، بل اجتماعية بالأساس، تكشف الحاجة إلى رفع مستوى الوعي العلمي لدى العامة. وأهمية تجديد الخطاب الديني ليعيد ربط الإنسان بربه من خلال التأمل في الكون، لا الخوف من الظواهر الطبيعية.
و من ثم ضرورة مكافحة الشعوذة لا فقط قانونيا، بل ثقافيا وتربويا، عبر توعية المجتمع بخطر الانجراف وراء ممارسات لا سند لها في الدين أو العقل أو العلم.
في نهاية المطاف، القمر الدموي لا يغير في طبيعته شيئا. هو ذاته، في السماء، مشهد عظيم من مشاهد القدرة الإلهية.
لكن اختلاف نظرتنا إليه هو ما يصنع الفرق: هل نراه دعوة للتأمل والتسبيح؟ أم نجعله وسيلة لتغذية المعتقدات الظلامية؟
الاختيار بين النور والعلم، أو الجهل والخرافة، لم يكن يوما في السماء بل دائما في عقولنا.

