ذاكرة مثقلة بالدم… وحقوق معلّقة في رفوف النسيان

ذاكرة مثقلة بالدم… وحقوق معلّقة في رفوف النسيان

بقلم العيرج إبراهيم – ابن شهيد حرب الصحراء المغربية

في رمال الصحراء المغربية، حيث اختلط وهج الشمس بزئير المدافع، ارتوت الأرض بدماء شباب نذروا أرواحهم دفاعاً عن وحدة التراب الوطني. كانوا أبناء في مقتبل العمر، تركوا خلفهم أمهات يلوحن بدموع الانتظار، وأرامل يربين أبناءهن على ذكراهم، وأوطاناً كانوا على يقين أنها ستكافئ أسرهم بوفاء يليق بتضحياتهم.
لكن الحقيقة اليوم مُرّة: حقوق معلقة، ووعود مؤجلة، وذاكرة مكلومة تئن في صمت.

لم يكن الشهيد مجرد جندي يواجه رصاص العدو. كان ابناً باراً، أباً حنوناً، أخاً ورفيقاً. سقط وهو يردد “الله، الوطن، الملك”، مؤمناً أن دمه سيحمي الأرض والعرض، وأن أسرته ستعيش مرفوعة الرأس في حضن وطن وفيّ. لكن ما إن خبت أصوات الرصاص حتى ترددت صرخات الأرامل واليتامى في صمت لا يسمعه سوى من احتفظ بضمير حي.

أن تمر أكثر من أربعة عقود على حرب الصحراء وأسر كثيرة من ذوي الشهداء لا تزال تنتظر الإنصاف، فذلك عار وجرح مفتوح في جسد الوطن. هذه ليست قضية اجتماعية عابرة، بل امتحان تاريخي يحدد مدى وفائنا لأطهر أبناء هذه الأرض. فكيف نتحدث عن التنمية والعدالة ونحن لم نُصفِّ بعد ملف من قدّموا أرواحهم عربوناً لها؟

نحتفي بالشهداء في المناسبات الرسمية ونرفع أسماءهم في الخطب، لكن الواقع يكشف بؤساً موجعاً: أرامل في عزلة، وأيتام في فقر، وأسر منسية على هامش السياسات العمومية. أليس الأولى أن يكونوا في صدارة الاهتمام، باعتبارهم الامتداد الحي لتضحيات الشهداء؟

اليوم، لم يعد الصمت مقبولاً. المسؤولون، المثقفون، الإعلام… كلهم معنيون. هذه القضية ليست مجرد ذكرى، بل التزام أخلاقي وحضاري يضعنا أمام سؤال الوجود: هل سنكون أوفياء لتاريخنا أم سنترك وصمة خيانة تطاردنا أمام الأجيال القادمة؟ لقد أدّى شهداء حرب الصحراء رسالتهم حتى النهاية. والكرة اليوم في ملعبنا: إما أن نختار طريق الإنصاف ورد الاعتبار، أو نترك دماءهم شاهداً على عجزنا.

الاخبار العاجلة