بين مدونة الأسرة و”اللايفات”: هل صنعت بنجلون درسا حقوقيا أم عرضا للتفاهة؟

بين مدونة الأسرة و”اللايفات”: هل صنعت بنجلون درسا حقوقيا أم عرضا للتفاهة؟

بقلم جليلة بنونة

منذ بداياتها، حملت الرقمنة وعودا كبيرة للبشرية، إذ تحولت إلى فضاء رحب للمعرفة والاكتشاف، ومكنت من بناء مكتبات رقمية، وتبادل العلوم والفنون، والتقريب بين الثقافات. لقد بدا وكأن العالم الافتراضي يمنح الإنسان عصرا ذهبيا من الانفتاح الفكري والإبداعي، حيث تصير التكنولوجيا أداة لترقية الوعي وتوسيع مدارك التفكير.

لكن سرعان ما تبدل المشهد، فبرز عالم جديد قوامه السطحية والتفاهة، حيث لم يعد الاهتمام منصبا على إنتاج المعرفة، بل على صناعة محتوى سريع الزوال، لا يترك أثرا سوى في نسب المشاهدة والتفاعل. وهكذا ظهرت فئة ما يمكن تسميته بـ”شعب التفاهة”، المستهلك النهم لكل ما هو سطحي، في مقابل “شعب الفكر الجاد” الذي يشتغل بعيدا عن الأضواء، محاصرا في زوايا النسيان.

في هذا السياق، أثارت قضية سيدة الأعمال المغربية سكينة بنجلون جدلا واسعا بعد صدور حكم قضائي بطلاقها للشقاق، تضمن مستحقات مالية بلغت 720 ألف درهم، إضافة إلى نفقة الأبناء والحضانة وتدابير السكن وصلة الرحم. ورغم أن الملف حسم قانونيا بهذه التفاصيل الدقيقة التي راعت الجانب الاجتماعي والحقوقي، فإن سكينة قررت أن تنقل قضيتها إلى العالم الرقمي، عبر بثوث مباشرة على منصة “تيكتوك”، معتبرة أن مشكلتها ليست شخصية بل عامة، ويجب أن تطرح تحت قبة البرلمان لمراجعة مدونة الأسرة.

هنا بالضبط يتجلى التناقض بين الرقمنة كوسيلة للإصلاح الجاد وبين استغلالها كمنصة للفرجة والإثارة. فبينما يفترض أن تبقى هذه المعطيات في سياقها القانوني والاجتماعي، تحولت إلى مادة رقمية مثيرة للجدل، حيث يختلط النقاش الحقوقي المشروع بالتفاعل السطحي العابر، بل وأحيانا بالفضول الذي لا يضيف أي قيمة للمجتمع.

إن لجوء بنجلون كسيدة أعمال قررت خوض تجربة “التأثير الرقمي” يعكس بوضوح كيف يستثمر الفضاء الافتراضي اليوم في تحويل القضايا الخاصة إلى محتوى استهلاكي، يخضع لقوانين “الترند” أكثر مما يخضع لمعايير النقاش الجاد. وبين من يرى أن هذه الخطوة فتحت بابا ضروريا لتسليط الضوء على ثغرات قانونية تمس وضعية المطلقات، ومن يعتبرها استثمارا إعلاميا يمس بالخصوصية الأسرية، يتأكد أن الرقمنة أصبحت أداة مزدوجة: إما لتمرير الوعي أو لتسويق التفاهة.

وعليه، فإن التحدي لا يكمن في منع الأفراد من استعمال المنصات الرقمية لعرض قضاياهم، بل في قدرة المجتمع والإعلام الجاد على التمييز بين ما يستحق النقاش العام، وبين ما يذوب في ضجيج “البث المباشر” الذي يقتات من الفضول أكثر مما يغذي الفكر. فالرقمنة ستظل سلاحا ذا حدين: إما جسر نحو الإصلاح والتنوير، أو مسرحا مفتوحا للتفاهة العابرة.

الاخبار العاجلة