إلياس الخريسي او الشيخصار بين صناعة الجدل وخطورة الخطاب الحدي

إلياس الخريسي او الشيخصار بين صناعة الجدل وخطورة الخطاب الحدي

أ بقلم جليلة بنونة

أثار الضهور الأخير لإلياس الخريسي، المعروف بـ”يشيخصار”، في برنامج على قناة العربية جدلا واسعا، بعدما حاول من خلاله الترويج مجددا لأفكاره التي طالما أثارت انتقادات حقوقية ومدنية. المقابلة التي أرادها مساحة لإبراز مشروعه الدعوي تحولت إلى لحظة محرجة حين باغته المذيع بسؤال مباشر: “زوجتك من ولدتها رجل أم امرأة؟”، وهو تعقيب قصير لكنه كاف لكشف هشاشة منطقه القائم على التناقض والتبسيط المخل، حيث يهاجم المرأة في خطاباته بينما الواقع ذاته ينقض ما يروج له.

هذا الظهور الإعلامي لم يأت من فراغ، بل يندرج ضمن مسار طويل اعتمد فيه الخريسي على إثارة الجدل كوسيلة للانتشار. فمن تسويق تطبيق “المواعدة الحلال” الذي جلب عليه موجة سخرية واتهامات باستغلال الدين لأغراض تجارية، إلى خطابات متكررة تهاجم النساء العاملات وتدعو لمقاطعة الزواج، ظل الخريسي يوظف القضايا الحساسة لا بهدف معالجتها، بل لتحويلها إلى مادة مثيرة للانقسام ووسيلة لتحقيق عائدات من “البوز” الافتراضي.

الخطير في الأمر أن مثل هذه الخطابات لا تقف عند حدود الشخص، بل تمثل جزءا من ظاهرة أوسع يعرفها المجتمع اليوم. فبعض المؤثرين الشباب باتوا يتبنون خطابا متشددا يستهدف النساء بشكل مباشر، على غرار ما يروج له تيار “الريد بيل” الذي يقدم العلاقة الزوجية كصراع دائم من أجل السيطرة. وفي الجهة المقابلة تنشط تيارات نسوية متطرفة، التي حين تتجاوز الدعوة إلى المساواة والحقوق المشروعة، تركز على الاستقلالية الفردية على حساب التفاهم والتكافل بين الزوجين، وتروج لفكرة الصراع بين الجنسين بدلا من التعاون. هذا التشدد قد يضعف مؤسسة الزواج، ويزيد من نسب الطلاق أو الخلافات الأسرية، كما يزرع شعورا بعدم التقدير أو التجاهل بين الزوجين، ما يضر بالأطفال والأسرة بشكل عام.

هذه الثنائية المتطرفة، وإن بدت متعارضة، فإنها تلتقي عند نقطة مشتركة: السعي إلى إذكاء الكراهية بين الجنسين، وإفراغ الزواج والعلاقات الإنسانية من قيم التفاهم والرحمة والمعاشرة الحسنة التي نصت عليها المرجعيات الدينية والأعراف الإنسانية. واللافت أن هذه الأصوات لا تعيش إلا من خلال صناعة الجدل والركوب على القضايا الاجتماعية الحساسة، في مشهد تتحول فيه الأسرة من فضاء للحب والشراكة إلى ساحة للصراع والتغالب.

إن ظهور الخريسي في قناة العربية لم يكن سوى حلقة جديدة من مسلسل إثارة الجدل و حب الظهور، لكن ما يكشفه في العمق هو هشاشة خطاب يقوم على تضخيم الصراع وتغذيته، بدل الإسهام في بناء وعي متوازن يحافظ على تماسك المجتمع. وبين مؤثر متشدد ونسوية متطرفة، يظل الخاسر الأكبر هو النسيج الاجتماعي، الذي يحتاج اليوم إلى خطاب عقلاني يعيد الاعتبار للمودة والاحترام، بدل أن يترك رهينة لمن يتاجرون بخطابات التطرف والخصام.

الاخبار العاجلة