نساء في اللوائح الانتخابية… وصمت في المجالس: واقع السياسة في المدن الصغرى

نساء في اللوائح الانتخابية… وصمت في المجالس: واقع السياسة في المدن الصغرى
جليلة بنونة
جليلة بنونة

بقلم: جليلة بنونة

في كل موسم انتخابي تعود صورة المرأة السياسية إلى الواجهة، صور المرشحات على الملصقات، كلمات عن التمكين والمناصفة، وخطابات حزبية تؤكد أن المرأة أصبحت شريكا في القرار السياسي. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تحولت المرأة فعلا إلى فاعل سياسي مؤثر، أم أن حضورها ما زال في كثير من الأحيان مجرد حضور رمزي؟
واقع المشاركة السياسية للمرأة في المغرب يكشف مفارقة واضحة بين الأرقام الرسمية التي تبدو إيجابية، والممارسة السياسية التي ما زالت تعاني اختلالات عميقة.

تشير الإحصائيات إلى أن تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة عرفت تحسنا خلال السنوات الأخيرة.
فالنساء يمثلن اليوم حوالي 24٪ من أعضاء البرلمان المغربي، و38.5٪ من أعضاء المجالس الجهوية، و26.6٪ من أعضاء المجالس الجماعية.
كما ساهم نظام الكوطا النسائية في رفع عدد النساء داخل المؤسسات السياسية بعد أن كان حضورهن شبه رمزي في التسعينيات.
لكن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة قوة تأثير النساء في القرار السياسي.
فالدراسات تشير إلى أن النساء ما زلن في الغالب مستبعدات من الأجهزة القيادية داخل الأحزاب التي تتحكم في الترشيحات والتحالفات والقرارات السياسية الكبرى…بعبارة أخرى:
المرأة حاضرة في المؤسسات… لكنها غائبة في مراكز القرار.

إذا كان حضور النساء في المدن الكبرى قد عرف بعض التطور، فإن الوضع يختلف كثيرا في المدن الصغرى والمجال القروي.
في هذه المناطق، غالبا ما يتم ترشيح النساء:
لإكمال اللوائح الانتخابية
لإظهار صورة “تقدمية” للحزب
أو لجذب أصوات النساء في الحملات الانتخابية
لكن بعد الانتخابات، يتراجع دورهن إلى حضور شكلي داخل المجالس المنتخبة.
و كثير من المنتخبات في الجماعات الصغيرة يقتصر دورهن على:
حضور الاجتماعات
المشاركة في الأنشطة البروتوكولية
تمثيل المجالس في المناسبات الرسمية
بينما تظل القرارات الفعلية بيد القيادات الحزبية أو المنتخبين الرجال.

المفارقة أن النساء يشكلن أكثر من نصف المجتمع المغربي، ومع ذلك ما زال حضورهن السياسي ضعيفا مقارنة بوزنهن الديمغرافي.
بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن الأصوات النسائية نفسها غالبا ما تذهب لمرشحين رجال، ما يعكس استمرار الثقافة السياسية التقليدية داخل المجتمع. وفي كثير من الحالات، تتحول المرأة داخل الأحزاب إلى:
منسقة للحملات
منظمة للأنشطة
مسؤولة عن تعبئة الناخبين
لكنها نادرا ما تكون صاحبة القرار.

السؤال الذي يجب طرحه اليوم ليس فقط:
كم عدد النساء في السياسة؟ بل كم امرأة سياسية مؤثرة فعلا؟
في كثير من الأقاليم، يصعب على المواطن أن يذكر اسم امرأة سياسية لها تأثير حقيقي في القرار المحلي أو الجهوي.
فكم منتخبة استطاعت أن تقود مشروعا تنمويا كبيرا؟ او أن تفرض أجندة سياسية داخل مجلس منتخب؟ أو تؤثر في قرارات حزبها؟
في المقابل، هناك عدد غير قليل من المنتخبات اللواتي يقتصر حضورهن على المشاركة في الاجتماعات ، الظهور في الصور الرسمية وحضور حفلات التكريم، بينما يبقى دورهن في صنع القرار محدودا للغاية.
هل أتيحت لهن الفرصة أصلا؟
الإنصاف يقتضي طرح سؤال آخر:
هل منحت النساء الفرصة أصلا لإثبات قدرتهن السياسية؟
فالكثير من المرشحات يوضعن في مراتب متأخرة في اللوائح الانتخابية، أو يتم ترشيحهن في دوائر صعبة الفوز. كما أن ضعف الموارد المالية والدعم الحزبي يجعل المنافسة غير متكافئة، خاصة في المناطق القروية حيث تلعب الشبكات المحلية والقبلية دورا كبيرا في الانتخابات.

من الناحية الدستورية، تبنى المغرب مبدأ المناصفة بين النساء والرجال منذ دستور 2011. لكن الواقع السياسي ما زال بعيدا عن تحقيق هذا الهدف.
فالتمكين الحقيقي للمرأة لا يقاس بعدد المقاعد فقط، بل بحجم تأثيرها في القرار السياسي و حضورها في قيادة الأحزاب ثم قدرتها على قيادة مشاريع تنموية
وإمكانية محاسبتها أو مساءلتها كفاعلة سياسية كاملة

المشكلة في المغرب ليست في وجود النساء في السياسة، بل في طبيعة هذا الوجود. فالمرأة السياسية ما زالت في كثير من الحالات حاضرة بالصورة… وغائبة عن القرار.
خصوصا في المدن الصغرى والقرى، حيث تتحول المشاركة السياسية للمرأة أحيانا إلى مجرد ديكور ديمقراطي يزين المشهد السياسي دون أن يغير موازين القوة داخله. ويبقى السؤال مفتوحا:
هل نريد امرأة في السياسة…
أم سياسة تصنعها النساء أيضا؟

الاخبار العاجلة