مهرجانات بالملايين… وصحافيون يشتغلون بالمجان: من المسؤول عن إهانة المهنة؟

مهرجانات بالملايين… وصحافيون يشتغلون بالمجان: من المسؤول عن إهانة المهنة؟

بقلم :ذ.مصطفى مجبر

حين يبيع الإعلام قيمته بيديه

كلما اقترب موعد مهرجان أو تظاهرة ثقافية أو فنية، تبدأ الاتصالات وتتوافد الدعوات وتُفتح أبواب التغطيات الإعلامية. مشهد يتكرر كل سنة في مختلف جهات المملكة، ومنها جهة فاس مكناس التي تحتضن عدداً من التظاهرات الثقافية والفنية المعروفة، من قبيل مهرجان حب الملوك بصفرو ومهرجان وليلي وغيرهما من الأنشطة التي تشرف عليها أو تواكبها مؤسسات ثقافية مختلفة.

لكن خلف الصور الجميلة والمنصات المضيئة والتقارير الاحتفالية، يبرز سؤال أصبح من الضروري طرحه بكل وضوح:

من يؤدي ثمن العمل الإعلامي الذي يرافق هذه التظاهرات؟

في الواقع، الجميع يحصل على مستحقاته المالية. الفنان يتقاضى أجره، شركات الصوت والإنارة تحصل على مستحقاتها، الأمن الخاص يؤدي مهامه بمقابل، شركات النقل والإيواء والتموين تنجز خدماتها وفق عقود واضحة، بل حتى أبسط الخدمات اللوجستيكية يتم احتساب تكلفتها بدقة.

وحده الصحافي أو المؤسسة الإعلامية يُطلب منها في كثير من الأحيان أن تتحمل مصاريف التنقل والتصوير والتغطية والتحرير والنشر، وأن توفر المعدات والموارد البشرية، ثم تغادر دون أي اعتبار لقيمة العمل الذي أنجزته.

الأخطر من ذلك أن بعض المنابر الإعلامية ساهمت، ربما بحسن نية أو بدافع البحث عن الحضور، في تكريس هذا الواقع. إذ تحولت التغطية الإعلامية لدى البعض إلى سباق نحو الاعتماد أو بطاقة الولوج، دون طرح السؤال الأساسي: ما قيمة العمل الإعلامي الذي نقدمه؟

لقد أصبح من المألوف أن تجد مؤسسات إعلامية تقطع مئات الكيلومترات لتغطية مهرجان أو نشاط يمتد لأيام، وتخصص له موارد بشرية وتجهيزات تقنية، ثم تعود دون أي مردودية مهنية أو اقتصادية، وكأن العمل الصحافي لا تكلفة له.

ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بمنح أو امتيازات أو ريع كيفما كان نوعه، بل بالحديث عن مبدأ بسيط معمول به في مختلف القطاعات: كل خدمة مهنية لها قيمة.

فالصحافة ليست عملاً خيرياً، والمؤسسة الإعلامية ليست جمعية موسمية تشتغل وفق منطق التطوع الدائم. إنها مقاولة لها التزامات مالية ومصاريف تشغيل وأجور وتجهيزات وواجبات ضريبية، ومن حقها أن تُعامل باعتبارها فاعلاً مهنياً لا مجرد وسيلة مجانية للترويج.

ومن المؤسف أن بعض الجهات المنظمة أصبحت تعتبر التغطية الإعلامية أمراً مكتسباً، لأنها تعلم مسبقاً أن عشرات المنابر ستتسابق على الحضور مهما كانت الظروف، ومهما كانت قيمة المجهود المبذول.

هنا يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا قبل أن نوجه اللوم للآخرين.

فلا يمكن للإعلام أن يطالب بالاحترام وهو لا يحترم قيمة عمله.
ولا يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تشتكي من التهميش الاقتصادي وهي تقبل، سنة بعد أخرى، تكريس منطق العمل المجاني.

إن استرجاع مكانة الصحافة لا يبدأ فقط من الإدارات والمؤسسات المنظمة، بل يبدأ أولاً من داخل البيت الإعلامي نفسه، عبر إعادة الاعتبار لقيمة العمل المهني، والتمييز بين الواجب الإخباري وبين الخدمات الإعلامية والتواصلية التي تتطلب استثماراً بشرياً وتقنياً ومادياً.

لقد حان الوقت لفتح نقاش صريح داخل الجسم الإعلامي المغربي حول مستقبل المهنة، وحول العلاقة بين المؤسسات المنظمة للتظاهرات وبين المقاولات الصحفية، لأن استمرار الوضع الحالي لا يضر فقط بالإعلاميين، بل يضعف الإعلام المهني ويشجع على مزيد من الهشاشة داخل القطاع.

فالصحافة التي لا تدافع عن قيمة عملها، لن يدافع عنها أحد.

الاخبار العاجلة