
مصطفى مجبر-المغرب العربي بريس
لم يعد النقاش حول حزب التجمع الوطني للأحرار محصوراً في أرقامه الانتخابية أو موقعه داخل الأغلبية، بل انتقل إلى سؤال أعمق: كيف أُديرت مرحلة الصعود؟ وعلى أي أساس بُنيت التزكيات والتحالفات المحلية والوطنية؟
حين يتحول الاستقطاب إلى عبء
خلال مرحلة التحضير لانتخابات 2021، اعتمد الحزب سياسة استقطاب واسعة شملت منتخبين وفاعلين قدموا من مشارب سياسية مختلفة. هذا الخيار منح الحزب انتشاراً سريعاً وقاعدة انتخابية عريضة، لكنه في المقابل زرع تناقضات داخلية لم تتأخر في الظهور.
تزكية “كل من يملك حظوظاً انتخابية” قد تحقق مكاسب ظرفية، لكنها لا تضمن انسجاماً سياسياً ولا مشروعاً موحداً. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر نتائج هذا النهج في عدد من الجماعات والمجالس، حيث طغت الحسابات الفردية وضعف التجربة على منطق التدبير الرشيد.
نتائج انتخابية قوية… وحصيلة متعثرة
النجاح العددي في الصناديق لا يعني بالضرورة جودة في الأداء.
في عدة مستويات من تدبير الشأن المحلي، برزت اختلالات في التواصل، وتأخر في تنزيل البرامج، وضعف في الانسجام داخل الفرق المسيرة. هذه المظاهر لا يمكن فصلها عن طبيعة التركيبة التي قامت على تجميع سريع أكثر منه بناء تنظيمي متدرج.
ومع تصاعد الانتقادات الشعبية المرتبطة بغلاء المعيشة والضغط على القدرة الشرائية، أصبحت أي هفوة محلية تُحسب سياسياً على الحزب مركزياً، وعلى قيادته السابقة ممثلة في عزيز أخنوش، الذي ارتبط اسمه بصعود الحزب وتمدده الواسع.
ارتباك داخلي في ظل ضغط خارجي
التصدعات التي تتداولها الأوساط السياسية اليوم لا تبدو مفاجئة في ضوء هذا السياق.
حين يجتمع اختلاف الخلفيات، وضعف الانسجام، وتراجع منسوب الرضا الشعبي، يصبح الحزب أمام معادلة صعبة:
• كيف يحافظ على تماسكه الداخلي؟
• وكيف يقنع الشارع بأن المرحلة تحتاج تصحيحاً لا تبريراً؟
ولا يمكن إغفال أن حلفاءه في الأغلبية، أي حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، يتحملون بدورهم مسؤولية جماعية في الحصيلة الحكومية، ما يجعل أي تراجع في الثقة شاملاً للتحالف برمته.
المواطن تغيّر… والمعادلة تغيّرت
التحول الأهم ليس داخل الحزب، بل في وعي المواطن.
لم يعد الناخب يكتفي بصورة الحزب القوي تنظيمياً أو القادر على استقطاب الأعيان. ما يريده اليوم هو كفاءة، انسجام، ونتائج ملموسة.
فإذا كان منطق “تجميع الأسماء الوازنة” قد مكّن من حصد مقاعد كثيرة، فإن منطق “المشروع الواضح والكفاءة المتخصصة” هو ما يضمن الاستمرارية والمصداقية.
لحظة مراجعة حقيقية
المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى لحظة مراجعة عميقة منها إلى أزمة عابرة.
فالأحزاب التي تبني قوتها على الامتداد العددي فقط، دون صلابة فكرية وتنظيمية، تجد نفسها سريعاً أمام تحديات في التدبير والمحاسبة.
الحمامة التي حلّقت عالياً بفعل توسع سريع، تجد نفسها اليوم مطالبة بإعادة ترتيب بيتها، غربلة اختياراتها، وربط التزكية بالكفاءة لا فقط بالوزن الانتخابي.
لأن السياسة، في النهاية، ليست سباق أرقام… بل اختبار ثقة طويل النفس، والمواطن المغربي أصبح يحاسب بالتفاصيل لا بالشعارات.

