مع اقتراب كل محطة انتخابية، يطفو على سطح المشهد السياسي بإقليم تاونات نمط متكرر من السلوك السياسي، قوامه الرفع المفاجئ لمنسوب الاحتجاج، وإغراق الفضاء العام بسيل من البلاغات والبيانات، غالبًا ما تُبنى على قضايا يتم تضخيمها أو إعادة تقديمها خارج سياقها الحقيقي. هذا التحول المفاجئ لا يمكن قراءته باعتباره تفاعلاً عفويًا مع انشغالات المواطنين، بقدر ما يعكس اشتغالًا ضمن مخطط سياسي مرحلي، يستهدف إعادة تشكيل النقاش العمومي بما يخدم أهدافًا انتخابية ضيقة.
وهذا المخطط، في جوهره، يبدأ بمرحلة دقيقة تقوم على رصد القضايا القابلة للتوظيف السياسي، حيث يتم انتقاء ملفات ذات طابع اجتماعي أو إنساني حساس. غير أن الإشكال لا يكمن في إثارة هذه القضايا في حد ذاتها، بل في الطريقة التي يتم بها تأطيرها، إذ تُقدَّم في كثير من الأحيان كأزمات بنيوية مستعصية، بغض النظر عن الجهود المبذولة لمعالجتها أو عن سياقها الزمني والموضوعي. وهنا يتحول النقاش من بحث عن حلول واقعية إلى صناعة سرديات مشحونة تخدم غايات انتخابية.
وفي المرحلة الموالية، يتم الانتقال إلى خطاب تصعيدي اتهامي، يستهدف بالأساس الإدارة الترابية، عبر محاولة إضعاف صورتها أمام الرأي العام، وخلق انطباع بوجود اختلالات عميقة وممنهجة. خطاب لا يراهن على تقديم بدائل عملية، بقدر ما يراهن على التأثير النفسي وتغذية الشك، بما يفتح المجال أمام نوع من الابتزاز السياسي المغلف بشعارات الدفاع عن المواطنين.
أما المرحلة الثالثة، فيتم من خلالها الدفع بوجوه سياسية ظلت غائبة عن الفضاء العام لسنوات، لتظهر فجأة في صورة “مناضلين ميدانيين”، يدّعون القرب من المواطن والترافع باسمه، باعتبار ان هذا “ النضال الظرفي” لا يستند إلى تراكم فعلي في خدمة القضايا المحلية، بل يقوم على استثمار ظرفية انتخابية، ومحاولة بناء حضور سياسي سريع تحت شعارات من قبيل: “ها نحن هنا”. غير أن هذا الحضور يظل، في نظر كثير من المتتبعين، أقرب إلى “دون كيشوط من ورق”، يفتقد للمصداقية .
وضمن هذا السياق، يبدو أن بعض التمثيليات الحزبية تدرك جيدًا محدودية حظوظها الانتخابية، خاصة في ظل غيابها الطويل عن التفاعل الحقيقي مع قضايا الساكنة. لذلك، تلجأ إلى استراتيجية خلق الصدام مع السلطات الإقليمية والمحلية، عبر ترويج معطيات مضللة أو اتهامات غير مؤسسة، في محاولة لفرض ذاتها كفاعل “معارض” قادر على إحداث الضجيج…
وهذا النهج المخطط ، وإن كان قد يحقق بعض المكاسب الظرفية على مستوى الحضور الإعلامي، فإنه يظل محفوفًا بمخاطر تقويض الثقة في العمل السياسي برمته. فحين يتحول الفعل السياسي إلى مجرد تكتيك انتخابي قائم على الإثارة والتضليل بترويج المغالطات ، فإن الخاسر الأكبر هو المواطن، الذي يجد نفسه أمام مشهد مشوش، تختلط فيه الحقائق بالأوهام.
لأن الرهان الحقيقي اليوم، لا يكمن في رفع منسوب الخطاب الاحتجاجي بشكل موسمي، بل في بناء ممارسة سياسية جادة، قائمة على القرب الفعلي من المواطنين، والاستمرارية في الترافع عن قضاياهم، بعيدًا عن منطق “الدكاكين السياسية” التي لا تفتح أبوابها إلا مع اقتراب صناديق الاقتراع. فالمصداقية لا تُصنع في لحظة انتخابية، بل تُبنى عبر الزمن، ومن خلال الالتزام الحقيقي بقضايا الناس.
وإذا كان من المشروع أن تُستثمر القضايا الاجتماعية والإنسانية في النقاش العمومي، فإن ما يحدث قبيل الاستحقاقات الانتخابية بإقليم تاونات يتجاوز هذا الإطار المشروع، ليقترب من نمط اشتغال قائم على “هندسة التوتر” وإعادة إنتاج الأزمات بشكل مصطنع. فلا يتعلق الأمر فقط بتكتيك انتخابي عابر، بل بمنهجية تحمل في طياتها مخاطر عميقة على بنية الفعل السياسي وعلى توازن العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
كما ان أخطر ما في هذه المخططات هو أنها لا تكتفي بتضخيم القضايا أو إعادة تأطيرها، بل تعمل على تفكيك الثقة باعتبارها الركيزة الأساسية لأي نظام سياسي مستقر. فعندما يتم الإيحاء بشكل متكرر بوجود اختلالات ممنهجة، دون تقديم أدلة رصينة، يتحول الأمر إلى عملية “نحت بطيء” في صورة المؤسسات، حيث تُزرع الشكوك بشكل تراكمي في وعي المواطن. ومع مرور الوقت، لا يعود المواطن قادرًا على التمييز بين النقد المسؤول والتضليل الممنهج، فتتآكل ثقته في الجميع، وتصبح كل المبادرات محل ريبة، وكل المجهودات عرضة للتشكيك، وهذا بالضبط هو هدف ومبتغى “الدكاكين السياسية” ومستنقعها الذي تسعى للتواجد به ومن خلاله بالفضاء العام ..
كما ان هذا المسار لا يقف عند حدود الخطاب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية نفسها. فبدل أن تقوم المنافسة على البرامج والرؤى، تتحول إلى سباق نحو من يستطيع إحداث أكبر قدر من الضجيج، ومن ينجح في خلق صدامات أكثر حدة مع الإدارة الترابية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح “الصدام” وسيلة للتموقع، و”التأزيم” أداة لبناء الشرعية، فتفقد السياسة جوهرها كآلية للتدبير، وتتحول إلى ساحة صراع مفتوح.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار تشبيه خطير لكنه دقيق في دلالته: انزلاق بعض الممارسات السياسية نحو منطق قريب من منهج عمل ” العصابات” . ليس بمعناه الجنائي المباشر، بل من حيث الآليات:
خلق التوتر بشكل متعمد لتحقيق مكاسب،
توظيف التهديد الرمزي والإعلامي لفرض الحضور،
استغلال الهشاشة الاجتماعية كأداة ضغط،
والسعي إلى بناء نفوذ سريع خارج منطق التراكم المشروع.
فكما تتحرك بعض التنظيمات غير القانونية لحماية مصالحها عبر فرض الأمر الواقع، نجد “الدكاكين السياسية” تتحرك قبيل الانتخابات لإنتاج حضور مصطنع، ولو عبر التضليل أو افتعال الأزمات. والفرق هنا أن الغاية ليست حماية نشاط غير قانوني، بل استجداء شرعية انتخابية بأي ثمن ! ، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار المشهد وثقة المواطنين.
كما ان من بين أبرز السلبيات التي تفرزها هذه الممارسات:
أولًا، تسطيح النقاش العمومي، حيث يتم اختزال قضايا معقدة في شعارات مبسطة ومشحونة، ما يمنع أي نقاش جدي حول الحلول الواقعية.
ثانيًا، إضعاف الفاعلين الجادين، إذ يجد السياسيون الذين يشتغلون بمنطق التراكم والعمل الميداني أنفسهم في مواجهة ضجيج مفتعل يطغى على صوت الحقائق .
ثالثًا، تغذية العزوف السياسي، لأن المواطن، أمام هذا المشهد المشوش، قد يختار الانسحاب بدل الانخراط، معتبرًا أن اللعبة برمتها فقدت مصداقيتها.
رابعًا، خلق توتر غير مبرر بين المواطن والمؤسسات، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمس بالسلم الاجتماعي، خاصة حين يتم اللعب على أوتار الحساسية الاجتماعية.
خامسًا، التطبيع مع الكذب والتضليل كأدوات سياسية، وهو أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي ممارسة ديمقراطية، لأن الكذب حين يصبح وسيلة مشروعة في التنافس، تنهار كل القواعد الأخلاقية للعمل السياسي.
وما يجب التنبيه إليه كذلك هو أن هذه المخططات، وإن بدت للبعض مجرد “تكتيكات انتخابية”، فإنها في العمق تحمل بذور إضعاف منسوب ثقة المواطنون في دولة الحق والقانون والمؤسسات ، فإذا انهارت ثقة الناس في حكامهم كما قال : الحكيم ” كونفوشيوس” فلا اساس لوجود الدولة !! .، وأي ربح انتخابي مبني على التضليل هو في الحقيقة خسارة جماعية على المدى المتوسط والبعيد.
لذلك، فإن مواجهة هذه الظواهر لا تكون فقط عبر تفنيد الادعاءات أو الرد على الخطابات، بل عبر إعادة الاعتبار للسياسة كفعل أخلاقي ومسؤول، يقوم على الصدق، والاستمرارية، والالتزام الحقيقي بقضايا المواطنين. كما أن الرأي العام مدعو بدوره إلى التمييز بين النضال الحقيقي والنضال الموسمي، وبين الفاعل الجاد و”المناضل الظرفي” الذي لا يظهر إلا حين تقترب صناديق الاقتراع.
ليبقى السؤال الجوهري : هل نريد ممارسة سياسة تبني الثقة وتؤسس للمستقبل، أم تعيش على الأزمات وتقتات من الفوضى؟ الجواب عن هذا السؤال لا يحدد فقط نتائج الانتخابات، بل يحدد ملامح المشهد السياسي لسنوات قادمة …
مخططات التضليل قبل الانتخابات : تفكيك آليات الابتزاز السياسي (إقليم تاونات نموذجًا)

