قراءة سياسية في خطاب العرش لسنة 2026… خطاب يؤسس لمرحلة جديدة من السيادة والتنمية والاستمرارية

قراءة سياسية في خطاب العرش لسنة 2026… خطاب يؤسس لمرحلة جديدة من السيادة والتنمية والاستمرارية

جليلة بنونة

لم يكن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد مجرد استعراض لحصيلة منجزات أو إعلان عن مشاريع مستقبلية، بل جاء كوثيقة سياسية ترسم معالم المرحلة المقبلة، وتحدد أولويات الدولة في سياق دولي وإقليمي يتسم بالتحولات المتسارعة والتحديات المركبة. ومن خلال مضامينه، قدم الخطاب تصورا متكاملا يقوم على ترسيخ الاستقرار، وتعزيز السيادة الوطنية، وتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية، مع التأكيد على استمرارية الدولة ومؤسساتها.

واستهل جلالة الملك خطابه بالتأكيد على أن مسؤوليته في قيادة البلاد لم تكن يوما سعيا وراء “مجد شخصي” أو “الاعتراف بدور ريادي”، قائلا: “كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.” وتحمل هذه العبارة دلالة سياسية تؤكد أن شرعية العمل العمومي، وفق الرؤية الملكية، تستند إلى خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة، بما يعزز صورة المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن لاستمرارية الدولة وقيادة خياراتها الاستراتيجية.

كما توقف الخطاب عند حصيلة سبعة وعشرين عاما من الحكم، لكنه ربطها بمنهجية عمل تقوم على التخطيط والتقييم المستمر، حين أكد أن “كل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل.” ويكشف هذا المقتطف أن الخطاب لا يقدم الإنجازات باعتبارها معطيات ظرفية، وإنما باعتبارها نتيجة رؤية طويلة الأمد تقوم على الاستمرارية والتراكم.

وفي رسالة سياسية واضحة، دعا جلالة الملك إلى ترسيخ مناخ الثقة داخل المجتمع، مؤكدا أن المغرب يعيش “مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.” ويعكس هذا التوجيه إرادة سياسية لتعزيز الثقة في المؤسسات وفي قدرة الدولة على مواصلة الإصلاح، خصوصا في ظل محيط إقليمي ودولي يتسم بعدم الاستقرار.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يحتل موضوع الأمن والاستقرار موقعا مركزيا في الخطاب، حيث اعتبر جلالة الملك أن “الاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب.” فهذه العبارة تربط بشكل مباشر بين الأمن والتنمية، وتؤكد أن النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات لا يمكن أن يتحققا إلا في ظل مؤسسات قوية ومستقرة، وهو ما يفسر أيضا إشادة الخطاب بنجاعة مؤسسات الدولة وقدرتها على تدبير الأزمات وتنظيم التظاهرات الدولية.

اقتصاديا، حمل الخطاب رسائل قوية بشأن النموذج الاقتصادي الذي تتبناه المملكة. فإلى جانب الإعلان عن تحقيق نسبة نمو تقارب 4,9 في المائة سنة 2025، أبرز جلالة الملك التحول الذي تعرفه الصناعات الوطنية، مؤكدا أن “قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، تعد اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني.” ولم يكتف الخطاب بعرض المؤشرات، بل قدمها باعتبارها دليلا على انتقال المغرب من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي أكثر تنافسية.

وتبرز هذه الرؤية بشكل أوضح في قوله إن المملكة أصبحت “أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا”، وأن صادرات السيارات والطيران أصبحت تتجاوز 40 في المائة من إجمالي الصادرات. كما كشف الخطاب عن توجه جديد يتمثل في دخول المغرب مجال تصنيع محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، إلى جانب تطوير صناعة البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، وهي قطاعات ترتبط بالاقتصاد العالمي الجديد وبالتحولات التكنولوجية والطاقية.

وفي السياق ذاته، أولى الخطاب أهمية خاصة لمفهوم السيادة الوطنية، إذ أكد أن “جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية.” ولم يعد مفهوم السيادة، كما يظهر من الخطاب، مقتصرا على الجوانب الأمنية، بل امتد إلى الأمن الغذائي والدوائي والصناعي والتكنولوجي، حيث أشار جلالة الملك إلى أن الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي حوالي 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، كما أعلن التوجه نحو بناء قاعدة وطنية في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، بما يعزز استقلالية القرار الوطني ويرفع من قدرة المملكة على مواجهة التحولات الدولية.

ومن الرسائل اللافتة كذلك، الدعوة الصريحة إلى انخراط القطاع المالي في دعم التحول الاقتصادي، حيث نادى جلالة الملك إلى “إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير.” وتبرز هذه الفقرة أن الدولة تراهن على التمويل الوطني باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح المشاريع الكبرى وتسريع وتيرة التنمية.

وعلى المستوى السياسي، حمل الخطاب إشارة واضحة إلى المرحلة المقبلة، حين أكد جلالة الملك: “نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.” ويعكس هذا المقتطف أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تنظر إليها في إطار استمرارية الدولة، وأن الحكومات المتعاقبة مدعوة إلى مواصلة الأوراش الكبرى وفق الرؤية الاستراتيجية للمملكة.

أما في مجال السياسة الخارجية، فقد أكد الخطاب أن المغرب أصبح “فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل.” كما شدد على أن المملكة اختارت “تنويع شراكاتها” بما يعزز قدراتها ويرفع من مكانتها الدولية، وهو ما يعكس استمرار الدبلوماسية المغربية في نهج الانفتاح والتوازن، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

واختتم جلالة الملك خطابه بالإشادة بمختلف مكونات القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والإدارة الترابية والقوات المساعدة والوقاية المدنية، مثمنا تجندها الدائم للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره، في رسالة تؤكد المكانة المحورية التي تحتلها هذه المؤسسات في حماية الدولة ومواكبة مسارها التنموي.

ويكشف الخطاب، في مجمله، عن انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة عنوانها تعزيز السيادة الوطنية، وترسيخ الاقتصاد المنتج، والانخراط في الصناعات المستقبلية، مع الحفاظ على الاستقرار باعتباره أساس التنمية. كما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجعل من الاستثمار والابتكار والتكنولوجيا والتمويل الوطني ركائز لبناء نموذج تنموي أكثر تنافسية، بما يعزز حضور المملكة كفاعل إقليمي ودولي قادر على مواكبة التحولات العالمية وتحويلها إلى فرص للنمو والتقدم.

الاخبار العاجلة