يونس لكحل
يمثل الاتفاق الذي أبرمته الحكومة مع المركزيات النقابية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير) بشأن تعديل مدونة الشغل، اتجاه مهم في مسار طال انتظاره لإنهاء استثناء دام لأكثر من عشرين سنة، كان يفرض على حراس الأمن الخاص نظام عمل يصل إلى 12 ساعة يوميًا.
وهذا القرار، من حيث المبدأ، يعكس تحوّلًا في التعاطي مع واحدة من أكثر الفئات هشاشة في سوق الشغل، إذ ظل حراس الأمن الخاص لسنوات طويلة يعملون في ظروف توصف بأنها قاسية، تتسم بطول ساعات العمل مقابل أجور محدودة، ما جعل وضعهم الاجتماعي والمهني أقرب إلى الاستنزاف المستمر للطاقة الجسدية والنفسية، وأبعد عن الحد الأدنى من شروط العمل اللائق واجور متدنية ،مما حوله لقطاع يكرس فيه الاستغلال البشع !!.
ومن خلال تقليص ساعات العمل إلى 8 ساعات يوميًا يُعد خطوة ذات دلالة إيجابية، لأنه يعيد الاعتبار لقاعدة أساسية في تشريعات العمل الحديثة، والتي توازن بين الإنتاج وحماية كرامة العامل وحقوقه . كما أنه ينسجم مع التوجه العام نحو تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص مظاهر الهشاشة داخل قطاعات الخدمات الخاصة، بعدما عرفت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.
لكن القراءة التحليلية لهذا التحول لا يمكن أن تكتفي بالبعد القانوني التنظيمي ، بل يجب أن تمتد إلى آليات التنفيذ على أرض الواقع، وهي النقطة الأكثر حساسية في مثل هذه الإصلاحات. باعتبار ان التجارب السابقة أظهرت أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي غالبًا ما تبقى قائمة، خاصة في القطاعات التي تتعدد فيها شركات التدبير وتضعف فيها المراقبة.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تقليص ساعات العمل، بل في ضمان ألا يتحول هذا الإصلاح إلى وسيلة غير مباشرة للضغط على الأجور المتدنية اصلا أو تقليص مناصب الشغل. لكون التخوف مشروع من أن تلجأ بعض الشركات إلى إعادة توزيع ساعات العمل دون تحسين التعويضات، أو إلى تقليص عدد المستخدمين لتعويض كلفة التغيير، وهو ما قد يفرغ الإصلاح من مضمونه الاجتماعي.
بالإضافة إلى ان نجاح هذا الورش يظل مرتبطًا بمدى التزام مختلف الفاعلين، من حكومة ومشغلين ونقابات، بروح الاتفاق لا بحرفيته فقط. فالإصلاحات الاجتماعية في مجالات قوانين الشغل تحديدا لا تُقاس بنصوصها، بل بقدرتها على تحسين حياة الفئات المعنية بشكل ملموس، وعلى تحويل مبدأ “العمل اللائق” من شعار إلى واقع معاش .
وهذا التعديل يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل خطوة أولى داخل مسار أطول يتطلب تفعيلا لآليات الرقابة الفعالة، وإرادة حقيقية لضمان ألا يبقى تحسين شروط العمل مجرد إعلان نوايا ، بل تحولًا فعليًا في حياة آلاف حراس الأمن الخاص بالمغرب…

