بقلم: ذ. مصطفى مجبر
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يتجدد النقاش حول الانتخابات باعتبارها إحدى أهم آليات الديمقراطية التمثيلية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه لا يتعلق فقط بكيفية تنظيم الانتخابات أو بمن سيفوز فيها، وإنما بوظيفتها الحقيقية: ماذا نريد من الانتخابات؟ وماذا ننتظر من الذين نمنحهم أصواتنا؟
فالانتخابات ليست مجرد محطة موسمية تنتهي بإعلان النتائج، وليست مناسبة لإعادة إنتاج الخطابات والوعود نفسها كل خمس سنوات، بل هي تعاقد سياسي وأخلاقي بين الناخب والمنتخب، يفترض أن تكون نتيجته تحسين شروط عيش المواطنات والمواطنين والدفاع عن مصالحهم والترافع عن قضاياهم.
وهنا تحديداً يبدأ الفرق بين وظيفة الانتخابات وتوظيف الانتخابات.
فوظيفة الانتخابات هي اختيار نخبة سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، وتدرك أن الوصول إلى المؤسسات ليس امتيازاً شخصياً، وإنما أمانة تقتضي الحضور والمساءلة والعمل والترافع.
أما توظيف الانتخابات، فيبدأ عندما تتحول العملية الانتخابية إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المواقع والمناصب والنفوذ، أو عندما تصبح الوعود الانتخابية غاية في حد ذاتها، قبل أن تتوارى مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
والواقع أن حاجيات المواطن لا تنحصر في يوم التصويت. فالمواطن يريد مدرسة عمومية ذات جودة، وصحة تحفظ كرامته، وشغلاً يوفر له الاستقرار، وطرقا وبنيات تحتية لائقة، وإدارة تستجيب لانشغالاته، ومجالس ترابية تشعر بأن وجودها مرتبط بخدمة الناس لا بخدمة المصالح الانتخابية الضيقة.
ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية تتجاوز مجرد الفوز في الانتخابات إلى القدرة على تحويل ذلك الفوز إلى فعل مؤسساتي منتج، وإلى ترافع مسؤول حول الحقوق والحريات والسياسات العمومية، كل في حدود اختصاصاته.
وإذا كان دستور 2011 قد منح الجهات والجماعات الترابية أدواراً أساسية في التنمية وفي تدبير عدد من القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمواطن، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: إلى أي حد استطاعت الممارسة السياسية أن تجعل من هذه المؤسسات أدوات حقيقية لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟
ذلك أن المغرب ما زال يعيش، بدرجات متفاوتة، على وقع مجموعة من الثنائيات التي تكشف حجم التحدي: مغرب نافع ومغرب أقل استفادة، عالم حضري وعالم قروي، جهات تستقطب الاستثمار والنمو وأخرى تكافح من أجل الحد الأدنى من التنمية.
فالتفاوتات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية بين الجهات ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية، وإنما واقع ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، ويُنتج الفقر والهشاشة والتهميش، ويكرس أحياناً صورة مغرب بسرعتين.
وإذا كانت بعض الجهات الكبرى تستحوذ على حصة مهمة من النشاط الاقتصادي والاستثمار، فإن السؤال السياسي والأخلاقي لا ينبغي أن يكون فقط: كم حققت هذه الجهات من النمو؟ بل أيضاً: ماذا استفادت منه باقي الجهات؟ وكيف يمكن تحويل التنمية من امتياز مجالي إلى حق مشترك؟
وهنا تظهر قيمة الانتخابات الحقيقية.
فالناخب لا يمنح صوته لكي يمنح شخصاً أو حزباً شيكاً على بياض، وإنما يمنحه باعتباره أداة للمحاسبة والاختيار والتغيير. والمنتخب، بدوره، لا ينبغي أن ينظر إلى الفوز باعتباره نهاية الطريق، بل باعتباره بداية لمسار طويل من المسؤولية والمساءلة.
لقد آن الأوان للانتقال من انتخابات تُستعمل للوصول إلى المؤسسات، إلى انتخابات تُستثمر في بناء المؤسسات؛ ومن سياسة تستحضر المواطن أثناء الحملات فقط، إلى سياسة تجعل حاجياته اليومية في صلب العمل السياسي طوال الولاية الانتخابية.
فالرهان الحقيقي ليس في عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما في نوعية النخبة التي ستفرزها صناديق الاقتراع، وفي قدرتها على تحويل أصوات المواطنين إلى قرارات، ووعودها إلى برامج، وبرامجها إلى نتائج.
وفي النهاية، قد يكون التصويت بداية التغيير، لكنه بالتأكيد ليس نهايته.
فالانتخابات تمنح الشرعية… أما العمل والمسؤولية والمحاسبة فهي التي تمنحها معناها.

