جليلة بنونة
لم تكن أحداث سبتة الأخيرة مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية بل شكلت لحظة فارقة كشفت عن أزمة تتجاوز الحدود. آلاف الشباب والقاصرين اندفعوا نحو المدينة المحتلة، وسجلت اعتداءات على رجال الأمن وإتلاف للممتلكات العمومية، قبل أن تنتهي المغامرة بإعادة عشرات الآلاف إلى المغرب، بينما بقيت الأسئلة الحقيقية معلقة: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ ومن المسؤول عن إنتاج هذا اليأس الذي يدفع شبابا إلى المجازفة بحياتهم؟
ما وقع لا يمكن اختزاله في مقاربة أمنية، كما لا يمكن تفسيره فقط بالوضع الاقتصادي. فلو كان الفقر وحده سببا، لما وجدنا دولا أكثر فقرا لا تشهد المشهد نفسه، ولو كانت البطالة وحدها السبب، لما عانت دول أوروبية ومنها إسبانيا، من نسب مرتفعة لبطالة الشباب. ما حدث هو نتيجة تراكمات اجتماعية وتربوية وسياسية اجتمعت لتصنع جيلا فقد جزء منه ثقته في المستقبل.
أولى هذه التراكمات هي تراجع التربية والتأطير الأسري. فحب الوطن لا يولد تلقائيا، بل يغرس داخل الأسرة ويعزز في المدرسة وتكرسه المؤسسات. حين يكبر القاصر وهو لا يفرق بين معارضة السياسات والاعتداء على مؤسسات بلده، أو بين المطالبة بالحقوق وتخريب الممتلكات العامة، فإننا نكون أمام خلل في التنشئة قبل أن نكون أمام أزمة حدود. فالوطن ليس حكومة ، والوطنية لا تعني تبرير الأخطاء، كما أن الاختلاف مع السياسات لا يبرر الاعتداء على رجال الأمن أو الإضرار بالممتلكات التي يساهم المواطن نفسه في تمويلها.
أما التراكم الثاني فهو غياب سياسات عمومية قادرة على إعادة الأمل إلى الشباب. فسنوات طويلة من الوعود والبرامج لم تنجح في إقناع جزء من الشباب بأن مستقبله يمكن أن يبنى داخل بلده. ومع اتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي أصبحت الصورة الوردية التي يروجها تجار الوهم عن أوروبا أقوى من أي خطاب سياسي أو تربوي.
وفي خضم هذه التطورات، عبرت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة العامة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، عن قلقها مما وقع مستنكرة الاعتداءات التي طالت رجال الأمن والممتلكات العمومية، ومؤكدة أن الحزب عقد اجتماعا استثنائيا، مع دعوتها إلى حوار وطني يعالج أزمة الشباب وفقدان الثقة وما يرتبط بها من قضايا التعليم والتكوين والمواطنة.
غير أن هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سؤالا أصبح يتردد كلما انفجرت أزمة اجتماعية: هل ما زلنا في مرحلة التشخيص؟ فالمغاربة يعرفون منذ سنوات مكامن الخلل وما ينتظرونه اليوم ليس توصيفا جديدا للأزمة، بل سياسات عمومية جريئة تعالج أسبابها وتعيد للشباب الثقة في المستقبل.
لقد أصبح المشهد يشبه مريضا يزور الطبيب في كل مرة، فيستمع إلى التشخيص نفسه ويغادر من دون علاج. غير أن الفرق هنا أن المرض ليس قدرا لا يمكن دفعه، بل هو نتيجة سياسات قابلة للمراجعة والتصحيح. فالشباب لا يفقد الثقة من فراغ وإنما عندما يشعر بأن الفرص لا تبنى دائما على الكفاءة والاستحقاق، وأن الخطاب السياسي يتكرر أكثر مما تتجسد نتائجه على أرض الواقع.
إن أخطر ما كشفته أحداث سبتة ليس فقط اندفاع آلاف الشباب نحو الحدود، بل حجم الفراغ الذي استطاعت شبكات الاتجار بالبشر وصناع المحتوى المروجون للوهم أن يملؤوه. فعندما تغيب القدوة، ويضعف التأطير وتتراجع الثقة، يصبح الوهم أكثر إقناعا من الحقيقة، ويصبح البحر في نظر البعض أقصر طريق إلى الكرامة، رغم أن الوقائع تثبت أن كثيرين ينتهون بين الترحيل أو الاستغلال أو الضياع.
لقد دقت سبتة ناقوس الخطر لكن الإنذارات لا تواجه بالاجتماعات وحدها، بل بقرارات شجاعة وسياسات تعيد الاعتبار للتربية، وتمنح الشباب فرصا حقيقية، وتربط التعليم بسوق الشغل، وتعيد للأحزاب دورها في التأطير واستعادة الثقة. فالشباب المغربي لا يحتاج اليوم إلى من يخبره بأنه فقد الأمل، بل إلى من يمنحه أسبابا حقيقية ليستعيده. فمستقبل الأوطان لا يصنعه اليأس، وإنما تصنعه سياسات تفتح الأفق أمام الإنسان وتجعله يؤمن بأن نجاحه ممكن داخل وطنه، لا على أسوار مدينة محتلة.

