الهجرة إلى سبتة… حين يهاجر الأمل قبل الإنسان

الهجرة إلى سبتة… حين يهاجر الأمل قبل الإنسان

ذ.مصطفى مجبر

لم تعد مشاهد الهجرة غير النظامية نحو سبتة مجرد أخبار عابرة تتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت صورًا مؤلمة تختزل واقعًا يستحق التوقف والتأمل. أطفال، قاصرون، شباب، وأسر بأكملها يغامرون بحياتهم في رحلة محفوفة بالمخاطر، بحثًا عن ضفة يعتقدون أنها تحمل مستقبلًا أفضل.

المؤلم في هذه المشاهد ليس فقط محاولة العبور، بل أن يتحول البحر في نظر آلاف الشباب إلى آخر فرصة، وأن تصبح المخاطرة بالحياة خيارًا يبدو أقل قسوة من البقاء. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

الهجرة ليست وليدة لحظة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية. فحين يشعر الشاب بأن فرص العمل محدودة، وأن آفاق المستقبل تضيق، وحين يرى يوميًا عبر هاتفه قصص النجاح في الخارج دون أن يرى حجم المعاناة التي يعيشها كثير من المهاجرين، تتولد لديه قناعة بأن الهجرة هي الطريق الوحيد لتحقيق الذات.

لكن اختزال الظاهرة في جانب واحد سيكون تبسيطًا مخلًا. فالهجرة غير النظامية قضية مركبة، تتداخل فيها مسؤولية الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والإعلام، والفاعلين الاقتصاديين، والمجتمع المدني، إلى جانب السياسات العمومية الرامية إلى خلق الفرص وتعزيز الثقة في المستقبل.

لقد أثبتت التجارب أن المقاربة الأمنية ضرورية لضمان سلامة الأرواح وحماية الحدود، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الآلاف إلى التفكير في الهجرة. فالحلول المستدامة تبدأ من الاستثمار في الإنسان، وتوفير فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب ليؤمنوا بأن النجاح ممكن داخل وطنهم.

إن ما يحدث اليوم ينبغي أن يكون مناسبة لإطلاق نقاش وطني هادئ ومسؤول، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، يضع الإنسان في صلب الاهتمام، لأن كل شاب يختار البحر بدل الأرض يبعث برسالة تستحق أن تُقرأ بعمق.

فالهجرة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي في كثير من الأحيان هجرة للأمل قبل أن تكون هجرة للإنسان. وعندما يغادر الأمل، تصبح كل الحدود قابلة للمجازفة، وكل الأمواج أقل رهبة من شعور الإنسان بأنه بلا مستقبل.

الاخبار العاجلة