جليلة بنونة
عادت الفنانة بسمة بوسيل لإشعال موجة واسعة من النقاش، بعد تصريحاتها خلال استضافتها في برنامج يقدمه محمد بوصفيحة (مومو) على Hit Radio، حيث أكدت أنها لا تؤمن بمساعدة المرأة للرجل ماديا، معتبرة أن الرجل هو المسؤول عن جميع المصاريف، وأن مال المرأة يخصها وحدها. بل ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أن حتى الهدية يجب أن تكون من الرجل إلى المرأة، بينما لا ينبغي للمرأة أن تهدي الرجل إلا نادرا وبشيء بسيط.
وربطت هذه القناعة بما وصفته بـ”طاقة الأنوثة” التي تقوم على الاستقبال، مقابل “طاقة الذكورة” التي تقوم على العطاء، معتبرة أن اختلاط هاتين “الطاقتين” يفسد العلاقة الزوجية.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل من حقها أن تعبر عن رأيها؟ بالطبع من حقها. السؤال هو: هل من الحكمة تقديم هذه الأفكار وكأنها قواعد ثابتة للحياة الزوجية أمام جمهور واسع، أغلبه من الشباب والفتيات الباحثين عن نماذج يقتدون بها؟
فالعلاقات الأسرية لا تبنى على معادلة “طرف يعطي وطرف يستقبل”، وإنما على الشراكة والتعاون وتقاسم المسؤوليات بحسب ظروف كل أسرة. ففي الحياة الواقعية قد يمرض الزوج، أو يفقد عمله، أو تمر الأسرة بضائقة مالية، فهل يصبح دعم الزوجة له انتقاصا من أنوثتها؟ وهل يفقد الرجل رجولته إذا قبل مساندة شريكة حياته في ظرف استثنائي؟
إن اختزال الزواج في معادلة مالية جامدة يفرغ مؤسسة الأسرة من جوهرها الإنساني، ويحولها إلى علاقة قائمة على الحقوق المادية أكثر من المودة والرحمة.
ومن زاوية دينية، لا يجعل الإسلام المال أساسا للعلاقة الزوجية، بل يجعل السكينة والمودة والرحمة هي الأصل. صحيح أن النفقة مسؤولية الزوج شرعا، وأن للمرأة ذمة مالية مستقلة لا تجبر على الإنفاق منها، لكن الإسلام في الوقت نفسه لم يحول الزواج إلى علاقة بين “ممول” و”مستفيد”. فالقرآن وصف العلاقة بقوله: “وجعل بينكم مودة ورحمة”، كما دعا إلى المعاشرة بالمعروف والتعاون، وهو ما يجعل الوقوف إلى جانب الشريك وقت الشدة قيمة أخلاقية وإنسانية، لا انتقاصا من كرامة أي طرف.
وحتى على المستوى الفلسفي، لم تكن العلاقات القائمة على المنفعة المادية تحظى بإجماع المفكرين. فقد رأى إيمانويل كانط أن الإنسان يجب ألا يعامل كوسيلة لتحقيق المنفعة، بل كغاية في ذاته، وهو تصور يتعارض مع اختزال الزواج في تبادل المصالح. كما اعتبر أرسطو أن أرقى العلاقات الإنسانية هي التي تقوم على الفضيلة والخير المشترك، لا على المنفعة وحدها. أما جان جاك روسو فقد انتقد هيمنة المظاهر والمكانة الاجتماعية على العلاقات الإنسانية، في حين وجه فريدريك نيتشه نقدا لاذعا للمجتمع عندما تتحول القيم إلى مجرد حسابات نفعية، رغم أن مواقفه من المرأة تبقى محل نقاش واسع بين الباحثين.
الأخطر من ذلك أن بعض المشاهير أصبحوا يقدمون مفاهيم مثيرة للجدل تحت عناوين براقة مثل “طاقة الأنوثة” أو “اعرفي قيمتك”، بينما تنتهي الرسالة عمليا إلى إقناع بعض الفتيات بأن النجاح في الزواج يعني العثور على رجل يتحمل كل الأعباء المادية، مع تغييب الحديث عن المسؤولية المشتركة، والتكافل، وبناء مشروع حياة متكامل.
ولا أحد يعترض على أن يتحمل الرجل مسؤولياته، ولا على كرمه مع زوجته، فهذا من القيم المحمودة دينيا واجتماعيا. لكن تحويل ذلك إلى قاعدة مطلقة، واعتبار مساهمة المرأة في بيتها أو دعمها لزوجها نوعا من “الذل” أو فقدان “طاقة الأنوثة”، هو طرح يفتقر إلى الواقعية، وقد يزرع لدى بعض الشباب والفتيات تصورات غير صحية عن الحياة الزوجية.
ولعل رد مومو خلال الحوار، حين دعا إلى ترك العلاقة تسير بعفوية بعيدا عن هذه القواعد الصارمة، عبر عن رأي شريحة واسعة ترى أن العلاقات الإنسانية أعقد بكثير من أن تختزل في نظريات جاهزة أو تقسيمات بين “العطاء” و”الاستقبال”.
إن تأثير المشاهير اليوم لم يعد مقتصرا على الفن أو الترفيه، بل امتد إلى تشكيل قناعات اجتماعية وأسرية لدى ملايين المتابعين. ولهذا تصبح المسؤولية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بموضوع حساس مثل الزواج والأسرة، لأن كلمة واحدة قد تتحول إلى قناعة راسخة لدى آلاف الفتيات والشبان.
ويبقى الزواج الناجح أبعد بكثير من معادلات “من يدفع أكثر”. إنه شراكة قائمة على الاحترام، والتكافل، والتفاهم، والتضحية المتبادلة عند الحاجة، لا على انتظار طرف أن يعطي باستمرار بينما يكتفي الطرف الآخر بالاستقبال.

