المجموعات الصحية الترابية بين رهانات الإصلاح التشريعي وإكراهات التنزيل العملي: قراءة في ضوء القانون الإطار رقم 06.22 والتجارب المقارنة

المجموعات الصحية الترابية بين رهانات الإصلاح التشريعي وإكراهات التنزيل العملي: قراءة في ضوء القانون الإطار رقم 06.22 والتجارب المقارنة

ياسين آيت الطالب
باحث في الحكامة الإدارية والمالية والسياسات العامة الترابية
إطار متصرف بالمركز الاستشفائي الإقليمي السلامة – إقليم قلعة السراغنة
مستشفى الأمراض العقلية والنفسية

قبل عرض موضوع المجموعات الصحية الترابية، يقتضي الأمر استحضار السياق العام الذي جاء فيه هذا الإصلاح، إذ لم يعد إصلاح المنظومة الصحية الوطنية مجرد خيار تنظيمي أو إداري، وإنما أصبح رهاناً دستورياً وتنموياً يرتبط بضمان الحق في الصحة، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز فعالية المرفق العمومي، ومواكبة ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي يعد أحد أكبر الأوراش الإصلاحية التي يشهدها المغرب.

وفي هذا الإطار، جاء القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.77 بتاريخ 14 جمادى الأولى 1444 (9 دجنبر 2022)، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7151 بتاريخ 12 دجنبر 2022 تحت رقم 7895، ليؤسس لمرحلة جديدة في تدبير القطاع الصحي، من خلال إعادة هيكلة بنياته المؤسساتية، وتحديث آليات الحكامة، وإرساء نموذج جديد لتدبير المؤسسات الصحية العمومية قائم على النجاعة والفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وقد انطلق هذا الإصلاح من تشخيص دقيق للاختلالات البنيوية التي عرفتها المنظومة الصحية خلال العقود السابقة، والتي تجلت أساساً في هيمنة المركزية الإدارية، وضعف التنسيق بين مختلف مستويات العرض الصحي، وتفاوت الولوج إلى الخدمات الصحية بين الجهات، وتعدد المتدخلين دون وجود إطار مؤسساتي موحد يضمن التكامل والانسجام في التدبير، فضلاً عن محدودية استقلالية المؤسسات الاستشفائية العمومية في تدبير مواردها البشرية والمالية والتقنية، وهو ما انعكس سلباً على جودة الخدمات الصحية وعلى نجاعة الإنفاق العمومي في القطاع.

واستجابة لهذه التحديات، ارتكز القانون الإطار رقم 06.22 على أربعة محاور استراتيجية متكاملة تتمثل في إرساء حكامة جديدة للمنظومة الصحية الوطنية، وتأهيل العرض الصحي بما يضمن العدالة المجالية في توزيع الخدمات، وتثمين الرأسمال البشري الصحي وتحسين ظروف اشتغاله، وتسريع التحول الرقمي للمنظومة الصحية من خلال اعتماد الأنظمة المعلوماتية المتكاملة ورقمنة مختلف المساطر الطبية والإدارية والمالية، بما يحقق الالتقائية بين مختلف الفاعلين ويرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

ولتنزيل هذه الرؤية الإصلاحية، أحدث المشرع المغربي أربع مؤسسات عمومية جديدة تشكل الدعامة المؤسساتية للمنظومة الصحية الجديدة، وهي المجموعات الصحية الترابية، والهيئة العليا للصحة، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، وذلك في إطار إعادة توزيع الاختصاصات بين الوظائف الاستراتيجية والتنظيمية والرقابية من جهة، ووظائف التدبير والتنفيذ من جهة أخرى، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة واللاتمركز الإداري وتدبير المرافق العمومية وفق منطق الأداء والنتائج.

وتعتبر المجموعات الصحية الترابية، المحدثة بموجب القانون رقم 08.22، حجر الزاوية في هذا البناء المؤسساتي الجديد، باعتبارها الإطار التنظيمي المكلف بتدبير مختلف المؤسسات الصحية العمومية على المستوى الجهوي والترابي، حيث منحها المشرع الشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، بما يمكنها من ممارسة اختصاصاتها بعيداً عن القيود التقليدية للإدارة المركزية، مع إخضاعها لآليات الحكامة والتقييم والمساءلة. ويعكس هذا الاختيار التشريعي توجهاً واضحاً نحو الانتقال من نموذج التدبير الإداري المركزي إلى نموذج المؤسسة العمومية القائمة على التدبير الاستراتيجي والتعاقدي، بما يسمح بتحقيق قدر أكبر من المرونة والسرعة في اتخاذ القرار وتعبئة الموارد وتحسين جودة الخدمات الصحية.

وتتولى المجموعات الصحية الترابية تدبير مجموع المؤسسات الصحية العمومية الواقعة داخل نفوذها الترابي، وفق رؤية مندمجة تهدف إلى تحقيق التكامل الوظيفي بين مختلف مستويات العلاج والرعاية الصحية، حيث يشمل نطاق اختصاصها المراكز الاستشفائية الجامعية باعتبارها مؤسسات مرجعية للتكوين والبحث العلمي والعلاجات المتخصصة والعالية التخصص، والمراكز الاستشفائية الجهوية التي تضطلع بدور محوري في تقديم العلاجات الاستشفائية المتخصصة على مستوى الجهة، والمراكز الاستشفائية الإقليمية التي تشكل حلقة أساسية في تقريب الخدمات الصحية من المواطنين داخل الأقاليم والعمالات، إضافة إلى مستشفيات القرب، والمستشفيات المحلية، ومستشفيات الأمراض النفسية والعقلية، ومؤسسات الرعاية الصحية الأولية بمختلف أصنافها، من مراكز صحية حضرية وقروية ومستوصفات صحية، وكافة المؤسسات الصحية العمومية الأخرى الداخلة في اختصاصها، بما يضمن التكامل بين الرعاية الصحية الأولية والعلاج الاستشفائي والخدمات المرجعية داخل مسار علاجي موحد للمريض.

ويكتسي إدراج المراكز الاستشفائية الجامعية ضمن اختصاصات المجموعات الصحية الترابية أهمية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها هذه المؤسسات داخل المنظومة الصحية الوطنية، باعتبارها فضاءات تجمع بين تقديم العلاجات المتخصصة والتكوين الأكاديمي والبحث العلمي الطبي، وهو ما يفرض تحقيق توازن دقيق بين استقلاليتها العلمية والجامعية من جهة، ومتطلبات الاندماج داخل المنظومة الترابية الجديدة من جهة أخرى، بما يضمن وحدة التدبير واستمرارية الخدمات الصحية وتحقيق التكامل بين مختلف مستويات الرعاية الصحية.

وفي المقابل، استثنى المشرع من اختصاص المجموعات الصحية الترابية بعض المؤسسات ذات الطبيعة الخاصة، وفي مقدمتها المستشفيات العسكرية التي تخضع لنظام قانوني خاص، ومكاتب حفظ الصحة التابعة للجماعات الترابية، وكذا المؤسسات الصحية المحدثة بموجب نصوص تشريعية خاصة، وذلك حفاظاً على خصوصية المهام التي تضطلع بها هذه المؤسسات واختلاف طبيعتها القانونية والتنظيمية.

ويؤسس هذا النموذج الجديد لتدبير المؤسسات الصحية العمومية لمنطق الشبكات الصحية المندمجة، حيث لم يعد كل مستشفى أو مركز صحي يشتغل بشكل منفصل، وإنما أصبح جزءاً من منظومة ترابية موحدة تقوم على التنسيق المستمر بين مختلف مستويات العلاج والإحالة الطبية، وتدبير الموارد البشرية والتجهيزات والميزانيات وفق رؤية شمولية، بما يساهم في ترشيد النفقات، وتحسين استغلال الإمكانات المتاحة، والرفع من جودة الخدمات الصحية، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.

ويجد هذا التوجه سنده في عدد من التجارب المقارنة التي اعتمدت نماذج مماثلة للحكامة الصحية الترابية، كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا التي أحدثت المجموعات الاستشفائية الترابية (Groupements Hospitaliers de Territoire)، والتي تقوم على تجميع المؤسسات الاستشفائية العمومية داخل مجال ترابي واحد لتنسيق الموارد والخدمات والتخصصات الطبية، وإسبانيا التي اعتمدت نموذجاً جهوياً في تدبير الخدمات الصحية يمنح سلطات واسعة للأقاليم المستقلة، إضافة إلى المملكة المتحدة التي تبنت منظومة متكاملة للرعاية الصحية من خلال هياكل ترابية تجمع بين مختلف مستويات الخدمات الصحية والاجتماعية. وقد أظهرت هذه التجارب أن نجاح هذا النموذج لا يرتبط فقط بإحداث مؤسسة جديدة، وإنما يتوقف على وضوح توزيع الاختصاصات، وتوفير الموارد المالية والبشرية الكافية، وتطوير الأنظمة المعلوماتية المشتركة، وإرساء آليات فعالة للتنسيق والتقييم والمساءلة.

ورغم الطابع الطموح لهذا الإصلاح، فإن تنزيل المجموعات الصحية الترابية يطرح مجموعة من التحديات العملية المرتبطة أساساً بمدى جاهزية البنية التنظيمية والإدارية لاستيعاب هذا التحول المؤسساتي، وكيفية تدبير انتقال الموظفين والأطر الصحية إلى النظام الجديد، وضمان التنسيق بين المراكز الاستشفائية الجامعية وباقي المؤسسات الصحية داخل المجموعة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية التدبيرية ووحدة السياسة الصحية الوطنية، فضلاً عن ضرورة توفير التمويل المستدام، وتأهيل البنيات التحتية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز قدرات التدبير الترابي.

ومن ثم، فإن نجاح هذا الورش الإصلاحي لن يقاس فقط بصدور النصوص القانونية والتنظيمية، وإنما بقدرته على إحداث تحول فعلي في حكامة المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وترسيخ مبادئ العدالة المجالية والنجاعة والشفافية، بما يحقق الأهداف التي توخاها المشرع في إطار بناء منظومة صحية وطنية حديثة، منصفة، وقادرة على الاستجابة لمختلف التحديات الصحية.

الاخبار العاجلة