جليلة بنونة
في نهاية الأسبوع، وتحديدا يوم الأحد، حل عبد الإله بنكيران بمدينة قلعة السراغنة، في زيارة حزبية تزامنت مع موجة حرارة مفرطة. غير أن الأنظار لم تتجه فقط إلى مضمون كلمته، بل إلى المشهد العام الذي رافق الزيارة، وما حمله من مفارقات وأسئلة سياسية.
وصل بنكيران إلى مكان اللقاء على متن سيارة فاخرة، مستعينا بعكاز للمشي، ومحاطا بحراسة خاصة، بينما كان الاستقبال محدودا مقارنة بما اعتاد عليه الرجل في سنوات صعوده السياسي. وداخل القاعة، بدت الكراسي الفارغة أكثر حضورا من الهتافات، في مشهد يدفع إلى التساؤل: هل تغيرت علاقة بنكيران بالجمهور، أم أن الخطاب الذي صنع شعبيته لم يعد يحقق الأثر نفسه؟
لقد اشتهر بنكيران على امتداد سنوات بأسلوبه القائم على السخرية والنكتة واللغة الدارجة، وبخطاب صدامي يثير الجدل أكثر مما يصنع التوافق. وفي الآونة الأخيرة، أثار جدلا واسعا بعدما وجه انتقادات حادة إلى مستشاري الملك، مستعملا وصف “القنادح”، وهو تعبير اعتبره كثيرون خروجا عن اللياقة السياسية، بينما رأى آخرون أنه يدخل ضمن حرية التعبير السياسي.
وخلال لقائه بقلعة السراغنة، واصل بنكيران النهج ذاته، إذ شن هجوما سياسيا لاذعا على رئيس الحكومة عزيز أخنوش وحكومته، موجها إليهما سلسلة من الاتهامات السياسية. فقد اعتبر أن أخنوش “أخذ المال العام بغير حق”، وراكم ثروته عبر اقتصاد الريع، واتهمه بوجود تضارب في المصالح وعدم امتلاك رؤية سياسية قادرة على تدبير الشأن العام، كما قال إن الحكومة أصبحت، بحسب تعبيره، تقدم المصالح الخاصة على المصلحة العامة ولا تعير اهتماما كافيا للمشكلات اليومية للمواطنين.
كما انتقد صفقة تحلية مياه الدار البيضاء، التي تحدث عن كلفتها البالغة 2.6 مليار درهم، معتبرا أنها تثير تساؤلات حول كيفية تدبير المال العام، دون أن يقدم خلال اللقاء معطيات أو أحكاما قضائية تثبت وجود أي مخالفة قانونية. وفي المقابل، دافع عن الإصلاحات التي باشرتها حكومته السابقة، وعلى رأسها إصلاح صندوق المقاصة، معتبرا أنها ساهمت، وفق تقديره، في إنقاذ مالية الدولة والحفاظ على توازناتها.

ولم يقتصر خطابه على ذلك، بل وجه انتقادات إلى طريقة توزيع الدعم الاجتماعي، معتبرا أن شروط الاستفادة منه تحرم فئات تستحقه، خصوصا بعض الأرامل والأسر كثيرة الأطفال، وقال إن بعض المستفيدات فقدن، بحسب تصريحاته، ما يقارب 550 درهما شهريا. كما انتقد دعم استيراد رؤوس المواشي خلال عيد الأضحى لسنة 2024، معتبرا أنه لم يحقق الهدف المعلن منه والمتمثل في خفض الأسعار أو ضمان وفرة القطيع.
وفي سياق الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، حذر بنكيران من شراء الأصوات واستغلال الهشاشة الاجتماعية في الانتخابات البرلمانية القادمة، مؤكدا أن حكومته السابقة كانت، حسب قوله، تدافع عن الفئات الهشة وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
غير أن هذه التصريحات، رغم حدتها، تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل ظهور سياسي لبنكيران: هل ما زالت اللغة الثائرة، والاتهامات المباشرة، والخطاب التصادمي، قادرة على استقطاب الرأي العام كما كان الحال قبل سنوات؟ أم أن جزءا من الناخبين أصبح ينتظر خطابا أكثر هدوءا، مدعوما بالأرقام والبرامج والحلول العملية بدل الاكتفاء بالتوصيف السياسي؟
كما أن صور بنكيران مع الأطفال، وحرصه على الظهور قريبا من المواطنين، تثير بدورها سؤالا آخر: هل تكفي الصور الرمزية لإعادة بناء الجسور مع الرأي العام؟ أم أن المواطن أصبح يميز بين الصورة الإعلامية والممارسة السياسية؟

وتبرز مفارقة يصعب تجاهلها، فمن ينتقد باستمرار مظاهر الامتياز والبروتوكول، ويهاجم مسؤولين بلغة حادة، يظهر في المقابل وهو يصل في سيارة فاخرة، ويتحرك ضمن ترتيبات أمنية وحراسة خاصة. ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في حق أي شخصية سياسية في اتخاذ ما تراه مناسبا من إجراءات أمنية، وإنما بالتساؤل حول مدى انسجام الخطاب مع الصورة التي يراد تسويقها للرأي العام.
وفي المقابل، تظل الاتهامات السياسية، مهما بلغت حدتها، جزءا من النقاش العمومي، لكنها تكتسب قوة أكبر عندما تكون مدعومة بمعطيات موثقة أو بما تثبته المؤسسات الرقابية والقضائية. فالمنافسة السياسية في الأنظمة الديمقراطية لا تقوم فقط على توجيه الانتقادات، بل أيضا على تقديم البدائل وإقناع الرأي العام بالبرامج والحلول.
إن السياسة لا تقاس بقدرة السياسي على إطلاق النكات أو العبارات التي تتصدر مواقع التواصل لساعات، بل بقدرته على بناء الثقة، واحترام المؤسسات، وتقديم بدائل مقنعة للمواطنين.
وفي قلعة السراغنة، لم تكن الكراسي الفارغة مجرد تفاصيل تنظيمية بالنسبة إلى بعض المتابعين، بل بدت وكأنها تطرح سؤالا أكبر: هل دخل الخطاب الشعبوي مرحلة الإرهاق، بعدما فقد عنصر المفاجأة، وأصبح المواطن يبحث عن لغة سياسية أكثر رصانة، وأقل صخبا، وأكثر قدرة على إقناع العقل بدل استثارة العاطفة؟


