حين يتحول الطفل إلى مادة للسخرية الرقمية.. جريمة مزدوجة تهز الضمير المجتمعي

حين يتحول الطفل إلى مادة للسخرية الرقمية.. جريمة مزدوجة تهز الضمير المجتمعي

جليلة بنونة

لم يكن المشهد الذي وثقه مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد لحظة عبث تافهة أو سلوكا طائشا يمكن تبريره بالمزاح الثقيل، بل كشف عن صورة صادمة لانتهاك متعدد الأبعاد استهدف طفلا لا يتجاوز عمره سبع سنوات.

ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يحاط بالحماية والرعاية، وجد نفسه ضحية فعل خطير تمثل في إجباره على شرب مادة كحولية، قبل أن يتحول إلى موضوع للتصوير والتداول والسخرية أمام الآلاف من المتابعين على المنصات الرقمية.
وقد أثارت الواقعة موجة واسعة من الغضب والاستنكار، دفعت جمعية “ما تقيش ولدي” إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل لتحديد هوية المتورطين ومكان تصوير الشريط وترتيب الآثار القانونية اللازمة في حق كل من ثبتت مسؤوليته.

غير أن خطورة الحادث لا تكمن فقط في تعريض الطفل للكحول وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات صحية ونفسية، بل في توثيق الفعل ونشره على نطاق واسع، بما يجعلنا أمام سلوك يمس بكرامة طفل ويعرضه للإذلال العلني أمام جمهور واسع.
فالمعروف علميا أن أجسام الأطفال لا تمتلك القدرة البيولوجية ذاتها التي يتمتع بها البالغون للتعامل مع المواد الكحولية، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات صحية تختلف حدتها بحسب كمية المادة المستهلكة وسن الطفل ووزنه وحالته الصحية.

كما أن الأثر النفسي الناتج عن الإذلال العلني والسخرية قد يستمر لفترات طويلة، خصوصا عندما يصبح المقطع متاحا للتداول وإعادة النشر دون ضوابط.
وفي السياق ذاته، يجرم القانون المغربي كل سلوك من شأنه المساس بسلامة القاصر أو تعريضه للخطر. كما أن نشر صور أو تسجيلات لأطفال في أوضاع مهينة أو حاطة بالكرامة يمكن أن يثير مسؤوليات قانونية متعددة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمحتويات رقمية تتضمن إذلالا أو استغلالا أو تشهيرا بقاصر لا يملك القدرة القانونية على الموافقة على تصويره أو نشر معطياته الشخصية.

وتأتي هذه الواقعة لتعيد إلى الواجهة النقاش حول تنامي مظاهر العنف ضد الأطفال في الفضاء الرقمي، في ظل انتشار الهواتف الذكية وسهولة إنتاج المحتوى ونشره دون إدراك للعواقب القانونية والأخلاقية المترتبة عن ذلك. فبعض الممارسات التي يقدمها أصحابها في قالب الترفيه أو المزاح قد تتحول إلى جرائم مكتملة الأركان عندما تمس كرامة طفل أو تعرضه للخطر أو تستغل صورته لتحقيق الانتشار والتفاعل على المنصات الاجتماعية.

وتولي المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة أهمية متزايدة لحماية النساء والأطفال من مختلف أشكال العنف، من خلال إحداث وتطوير الخلايا المحلية والجهوية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف داخل المحاكم ومصالح الأمن الوطني والدرك الملكي والمؤسسات الصحية. وتعمل هذه الخلايا على استقبال الشكايات وتقديم المواكبة القانونية والنفسية والاجتماعية للضحايا، فضلا عن التنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان الحماية الفورية للأطفال المعرضين للخطر.

كما ساهمت رئاسة النيابة العامة في تعزيز آليات حماية الطفولة من خلال دوريات وتوجيهات تؤكد ضرورة التعامل الصارم مع الجرائم المرتكبة في حق القاصرين، مع الحرص على مراعاة المصلحة الفضلى للطفل خلال مراحل البحث والتحقيق والمتابعة القضائية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية، يبقى الأمل معقودا على تفعيل القانون بالصرامة اللازمة، وإنصاف الضحية، وتعزيز ثقافة رقمية تجعل حماية الأطفال مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمؤسسات والإعلام ومختلف الفاعلين داخل المجتمع.

الاخبار العاجلة