
في قلب إقليم تاونات، حيث تمتد جماعات تفرانت وكيسان وتبودة على مساحات غابوية خلابة وتضاريس سياحية واعدة، يطرح سؤال التنمية نفسه بإلحاح: كيف لمجالات تزخر بكل هذه المؤهلات الطبيعية أن تظل خارج خريطة الاستثمار والتثمين؟ ولماذا لم تتحول هذه الإمكانات إلى رافعة حقيقية لتحسين ظروف عيش الساكنة؟

الواقع الميداني يكشف مفارقة صارخة. فهذه الجماعات، التي يمكن أن تشكل قطبًا للسياحة الجبلية والإيكولوجية، لا تزال تعاني من هشاشة البنيات التحتية، وغياب مشاريع مهيكلة قادرة على خلق فرص الشغل وجذب الاستثمارات. الغابة هنا ليست مجرد مشهد طبيعي، بل ثروة اقتصادية كامنة، تُترك دون استغلال عقلاني ومستدام، في ظل غياب رؤية تنموية مندمجة تربط بين المؤهلات البيئية والاقتصاد المحلي.
وفي خضم هذا الجمود، يتصاعد التساؤل حول حصيلة التمثيلية السياسية، خاصة في ما يتعلق بالبرلماني ورئيس الجماعة المنتمي لحزب الاستقلال، المفضل الطاهري، الذي بصم على حضور طويل امتد لثلاث ولايات تشريعية متتالية. امتداد زمني كان يفترض أن يُترجم إلى تراكم في الإنجاز، لكنه تحول، في نظر فئات واسعة من الساكنة، إلى عنوان لركود تنموي يثير أكثر من علامة استفهام.
الأكثر إثارة للانتباه، أن المعني بالأمر ينتمي إلى الأغلبية الحكومية، ما كان من المفروض أن يمنحه قوة ترافعية أكبر داخل دواليب القرار. غير أن المؤشرات على الأرض لا تعكس هذا الامتياز السياسي، حيث لا تزال مظاهر الهشاشة قائمة، وعلى رأسها وضعية الطرق.

وفي هذا السياق، تبرز الطريق الجهوية سابقًا رقم 419، المصنفة حاليًا كطريق إقليمية رقم 5904، كنموذج واضح للاختلال. فرغم رصد اعتمادات مالية مهمة لها، ورغم مرور حوالي سنتين على تسلمها بعد استكمال الأشغال، يؤكد عدد من المواطنين أن وضعيتها اليوم أصبحت أسوأ مما كانت عليه، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جودة الإنجاز، ومآل هذه المشاريع، ونجاعة آليات التتبع والمراقبة.
ولا يقف النقاش عند حدود تقييم الحصيلة، بل يمتد إلى استغراب متزايد من استمرار نفس الوجوه في تدبير الشأن العام، حيث أُعيدت تزكية المفضل الطاهري لولاية رابعة. خطوة يراها البعض تكريسًا لمنطق إعادة إنتاج النخب نفسها، بدل فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على ضخ نفس جديد في مسار التنمية المحلية.
إن أزمة هذه الجماعات لا تختزل فقط في ضعف الإمكانيات، بل ترتبط أساسًا بغياب رؤية استراتيجية واضحة، تُحوّل المؤهلات الطبيعية إلى فرص اقتصادية حقيقية، وتُخضع المسؤولية السياسية لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتنمية لا تُقاس بطول سنوات التمثيلية، بل بحجم التحولات الملموسة في حياة المواطنين.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج تفرانت وكيسان وتبودة إلى نقاش عمومي جاد ومسؤول، يضع الأسئلة الحقيقية على الطاولة: أين صُرفت الاعتمادات؟ ما مآل المشاريع المعلنة؟ ومن يتحمل مسؤولية تعثر التنمية؟
أسئلة لا تبحث فقط عن أجوبة، بل عن أفق جديد يعيد الثقة للمواطن، ويحوّل هذه المجالات من مناطق مهمشة إلى فضاءات منتجة للحياة والفرص.

