تاونات : مستشفى إقليمي مثقل بالاختلالات وبلاغ المندوبية يكتفي بالتبرير بدل مواجهة الواقع

تاونات : مستشفى إقليمي مثقل بالاختلالات وبلاغ المندوبية يكتفي بالتبرير بدل مواجهة الواقع

يونس لكحل    

                                   
يعيش قطاع الصحة بإقليم تاونات وضعاً لا يبالغ الكثيرون حين يصفونه بالهش والمهترئ، بل إن الواقع اليومي للمواطنين داخل المنظومة الصحية بالإقليم يعكس اختلالاً بنيوياً يتجاوز مجرد نقص في الموارد أو الضغط على الخدمات ليصل إلى سؤال الفعالية والعدالة في الولوج إلى العلاج، فالإقليم الذي يتميز بتضاريس صعبة ومجال قروي واسع يعتمد ساكنته بشكل شبه كلي على مستشفى إقليمي من المفترض أن يكون مرجعياً، غير أن هذا المرفق الصحي تحول، بحسب شهادات متواترة ومظاهر ميدانية مصورة إلى بناية مهترئة لا تليق بوزارة من حجم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ، وتحول بذاك إلى نقطة عبور نحو معاناة إضافية بدل أن يكون محطة للعلاج، حيث تتكرر مظاهر الاكتظاظ، وضعف التجهيزات، ونقص الموارد البشرية، وتأخر التدخلات الطبية ودمار البنية التحتية بشكل كامل حتى تحول لمستشفى قلة الصحة !  ، مما يجعل الكثير من الحالات يتم توجيهها نحو مدن أخرى خاصة فاس، في مسار يستنزف جيوب المرضى ويضاعف من هشاشتهم الصحية والاجتماعية، وفي هذا السياق برز بلاغ صادر عن المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بتاونات كتفاعل رسمي مع موجة الانتقادات المتصاعدة، غير أن قراءته الموضوعية تكشف أنه لم ينجح في تقديم إجابات حقيقية بقدر ما أعاد إنتاج خطاب دفاعي تقليدي !، يقوم على التبرير أكثر مما يقوم على التفسير أو المحاسبة أو تقديم المعطيات الدقيقة، فقد غابت عن البلاغ الأرقام التفصيلية المتعلقة بالأشغال التي زعم انه سيتم العمل عليها  أو آجال الانتهاء أو حجم الموارد المرصودة، كما غابت رؤية واضحة لإعادة تأهيل المستشفى الإقليمي أو خطة استعجالية لمعالجة الاختلالات اليومية، وهو ما يجعل الخطاب أقرب إلى بلاغ تهدئة ظرفية منه إلى وثيقة تواصل عمومي مسؤولة،.
هذا ومن بين النقاط التي أثارت الانتباه كذلك، محاولة البلاغ الصادر تبرير التأخر في تنزيل مشاريع الاصلاحات بعوامل مناخية مرتبطة بالتساقطات المطرية، وهو مبرر يبدو ضعيفاً إذا ما قورن بحجم التأخر المسجل وامتداده الزمني، إذ يصعب تقنياً ومنطقياً اعتبار العامل المناخي سبباً كافياً لتعثر مزمن في مشروع حيوي كقطاع الصحة، خاصة في ظل وجود دراسات مسبقة يفترض أنها تأخذ بعين الاعتبار هذه الإكراهات، ما يطرح تساؤلات حول الحكامة في التدبير أكثر مما يبرر التأخر نفسه، كما أن اعتماد لغة عامة تتحدث عن “المجهودات المبذولة” و”الاجتماعات التنسيقية” دون ترجمتها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع ،والكل يعلم ان ضعف العرض الصحي بإقليم تاونات ليس وليد اللحظة بل دام لسنوات ، مما يعكس استمرار فجوة الثقة بين الإدارة والمواطن، هذا الذي  لا يقيس نجاح السياسات الصحية بالبلاغات، بل بما يراه داخل المستشفى من بنية تحتية جيدة و تجهيزات وخدمات وسرعة استجابة وجودة علاج.،
فالبلاغ، بدل أن يجيب عن الأسئلة الحقيقية المطروحة، أعاد طرح سؤال أكبر يتعلق بمدى جدية الإصلاح في قطاع الصحة بالإقليم، وهل نحن أمام إرادة حقيقية لإعادة تأهيل المستشفى الإقليمي وتجويد العرض الصحي، أم أمام استمرار إدارة الأزمة عبر خطاب تواصلي يهدف إلى امتصاص الاحتقان أكثر مما يهدف إلى معالجة جذور الخلل…
فالوضع الصحي بإقليم تاونات لم يعد يحتمل مقاربة التبرير أو التأجيل، بل يحتاج إلى رؤية واضحة، شفافية في المعطيات، تحديد دقيق للمسؤوليات، وربط فعلي بين القرار العمومي والمحاسبة، لأن استمرار هذا الوضع يكرس شعوراً متزايداً لدى الساكنة بأن الحق في العلاج يتحول تدريجياً إلى امتياز بدل أن يظل حقاً دستورياً مكفولاً، وهو ما يجعل الحاجة ملحة اليوم إلى انتقال حقيقي من منطق البلاغات التي لا تقول… ولا شيء !!  إلى منطق الإنجاز، ومن تدبير الانطباع إلى تدبير الفعل عبر الإصلاح الجذري الواقعي ووقف معاناة ساكنة إقليم تاونات

الاخبار العاجلة