يونس لكحل
على وقع التحولات المتسارعة التي يشهدها تدبير الشأن المحلي، لم يعد تقييم أداء الجماعات الترابية مرتبطًا فقط بحجم الإمكانيات المتوفرة، بل أصبح يقاس أساسًا بمدى القدرة على إنتاج فعل تنموي ملموس، قائم على النجاعة والاستمرارية، عبر ابراز وبشكل متزايد دور الدينامية التدبيرية التنموية كمدخل أساسي لإعادة تشكيل علاقة الجماعة بساكنتها، من خلال تفعيل تواصل مؤسساتي منتظم وفعّال، وإرساء تنسيق وثيق مع مختلف الشركاء والمتدخلين، بما يضمن انسجام التدخلات وتكاملها على أرض الواقع.
هذا المنهج القائم على التفاعل المستمر والانفتاح على الفاعلين، لم يعد مجرد خيار تدبيري، بل تحول إلى رهان أساسي في إنجاح تجربة التسيير الجماعي، عبر تحويل البرامج والمخططات إلى مشاريع قابلة للقياس، وذات أثر مباشر على حياة المواطنين، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا من منطق التدبير التقليدي إلى منطق الحكامة المرتكزة على النتائج.،

وضمن هذه القراءة التحليلية المُتفحِّصة لواقع التسيير والتدبير للشأن الجماعي بإقليم تاونات، نجد جماعة فناسة باب الحيط كحالة تستحق التوقف عندها، باعتبارها تجربة ميدانية تعكس كيف يمكن للفعل التدبيري الجاد أن يتحول إلى أثر ملموس في حياة الساكنة.
وهذا التحليل لا يتعلق بتدبير الانطباع أو صناعة صورة مؤقتة، بل بتدبير الفعل عبر منطق الاستمرارية والالتصاق بحاجيات المواطنين.
فقد استطاعت الجماعة الترابية لفناسة، بقيادة رئيسها، أن ترسخ نموذجًا تدبيريًا قائمًا على الدينامية والوضوح في الرؤية، بحيث تحولت مجموعة من المشاريع من مجرد أفكار إلى إنجازات قائمة…. فيكفي التوقف عند قطاع البنية التحتية الطرقية، حيث تم فك العزلة عن عدد كبير من التجمعات السكنية ، وهو ما لم يكن فقط إنجازًا تقنيًا، بل مدخلًا لتحريك عجلة التنمية المحلية وتعزيز الاندماج المجالي.

وفي قطاع الماء الصالح للشرب، يظهر الأثر بشكل أكثر ، بعدما تم توفير هذه المادة الحيوية لعدد كبير من الدواوير، عبر إحداث ما يفوق 125 (سبالة) نقط مائية. وهو تحول لا يمكن قراءته فقط بالأرقام، بل بما يحمله من كرامة إنسانية وتحسين لشروط العيش اليومي، خاصة في الوسط القروي حيث يظل الولوج إلى الماء أحد أبرز التحديات.
أما إخراج تصميم التهيئة، فيمثل بدوره محطة مفصلية في مسار هذه الجماعة، بالنظر إلى ما يحمله من تداعيات إيجابية على تنظيم المجال وجلب الاستثمار وتأطير التوسع العمراني.، وهو ما يعكس انتقال الجماعة من منطق التدبير اليومي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
هذا ولم تقف الدينامية التنموية عند هذه القطاعات، بل امتدت لتشمل مجالات الصحة والحماية الاجتماعية والتربية والتعليم والنقل المدرسي، في مقاربة شمولية تُدرك أن التنمية لا تُختزل في البنية التحتية فقط، بل في الاستثمار في الإنسان أيضًا. وهي مقاربة تعززت بمنهجية قائمة على الحوار والتوافق والتعاون مع مختلف الشركاء، ليمنح المشاريع المنجزة بعدًا تشاركيًا وساهم في تسريع وتيرة التنزيل .
ومن المؤشرات الدالة على حسن التدبير، تحقيق الجماعة لفائض مالي اقترب من نصف مليار سنتيم (471 مليون سنتيم ) لأربع سنوات الماضية، يُعد من الأكبر على مستوى الإقليم والجهة بالنسبة لجماعة قروية، ركزت على منهج ترشيد النفقات وتعظيم الموارد، في إطار حكامة مالية مسؤولة تجعل من المال العام أداة لتحقيق التنمية لا عبئًا إضافيًا.

إن المشاريع المبرمجة بجماعة فناسة باب الحيط وتلك التي توجد في طور الإنجاز اليوم، لا تمثل فقط استمرارية لهذا المسار، بل تؤكد أن ما تحقق ليس ظرفيًا أو معزولًا، بل نتيجة رؤية واضحة وإرادة تدبيرية ثابتة. ما منح جماعة فناسة باب الحيط مكانة متميزة كنموذج للجماعة الترابية الناجحة، التي استطاعت أن تنتقل من منطق الانتظار إلى منطق المبادرة، ومن تدبير الانطباع إلى تدبير الفعل،
باعتباره درس عملي في أن التنمية المحلية ليست شعارًا، بل مسارًا يتطلب قيادة مسؤولة، واستمرارية في العمل والتواصل الجيد مع الساكنة ، وإمتلاك قدرة على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى إنجازات حقيقية تُقاس بمدى أثرها في حياة المواطنين . وهو ما يجعل هذا النموذج جديرًا بالقراءة والتثمين والإشادة، فرغم الإكراهات القائمة، إستطاعت الجماعة الترابية الحفاظ على إستمرارية إنتاج أثر تنموي ملموس، ذاك الذي ارتبط بشكل واضح بالتنسيق والتعاون الفعّال مع كل الشركاء المؤسساتيين ، والحكامة المالية، وتعبئة الإمكانيات في إطار رؤية مندمجة …



