بين الإحسان الموسمي والرهان الديمقراطي: قراءة في سلوك الفاعل الانتخابي بعد رمضان

بين الإحسان الموسمي والرهان الديمقراطي: قراءة في سلوك الفاعل الانتخابي بعد رمضان

بقلم : ليلى جاسم

مع انقضاء شهر رمضان، الذي يشكل في الوعي الجماعي المغربي لحظة روحية واجتماعية بامتياز، تعود أسئلة السياسة إلى الواجهة بحدة أكبر، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة. وإذا كان هذا الشهر قد طبع، كما جرت العادة، بمظاهر التضامن والتكافل، فإن جزءاً من هذه المبادرات يثير نقاشاً متجدداً حول حدود الفعل الإحساني حين يتقاطع مع الحسابات الانتخابية.

ففي الوقت الذي انشغل فيه المواطنون بأداء الشعائر الدينية وتعزيز قيم التضامن، برزت على السطح ديناميات موازية يقودها بعض الفاعلين السياسيين، ممن باشروا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة ترتيب أوراقهم الانتخابية. وتُطرح هنا إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين العمل الخيري الموسمي والسلوك الانتخابي، خاصة حين يتحول الدعم الاجتماعي إلى أداة ضمنية لاستمالة الناخبين.

إن توزيع المساعدات خلال رمضان، في حد ذاته، يندرج ضمن تقاليد اجتماعية راسخة، غير أن توظيفه في سياق سياسي يضعنا أمام تساؤلات أخلاقية ومؤسساتية عميقة: هل نحن أمام تعبير صادق عن التضامن، أم أمام شكل من أشكال “الاستثمار الانتخابي” في الهشاشة الاجتماعية؟ وهل يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين في ظل ممارسات قد تُفهم كوسائل غير مباشرة للتأثير على إرادة الناخب؟

الأمر يتجاوز البعد الظرفي ليرتبط ببنية المشهد الحزبي والتمثيلي في المغرب، حيث ما تزال بعض السلوكات الانتخابية محكومة بمنطق الزبونية السياسية وتغليب المصالح الضيقة على حساب الرهانات التنموية الكبرى. وهو ما ينعكس سلباً على منسوب الثقة في المؤسسات المنتخبة، ويغذي حالة العزوف التي باتت تؤرق مختلف الفاعلين.

في المقابل، يفرض السياق الراهن ضرورة إعادة التفكير في قواعد الممارسة السياسية، ليس فقط من خلال تشديد آليات المراقبة القانونية خلال الحملات الانتخابية، بل أيضاً عبر ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى تقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بالشعارات.

كما أن الرهان اليوم لم يعد مقتصراً على ضمان نزاهة العملية الانتخابية من الناحية التقنية، بل يتعداه إلى ضمان نزاهتها من حيث المضامين والسلوكات، بما يعزز تكافؤ الفرص ويصون كرامة الناخب باعتباره فاعلاً أساسياً في البناء الديمقراطي، لا مجرد هدف لحملات ظرفية.

إن ما بعد رمضان يجب أن يشكل، سياسياً، لحظة مراجعة لا لحظة استثمار. مراجعة للممارسات، وللخطاب، ولطبيعة العلاقة مع المواطن. فالديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل تُبنى على الثقة، وعلى مصداقية الفاعل السياسي، وعلى قدرته على تحويل الوعود إلى سياسات عمومية ملموسة.

وفي أفق الاستحقاقات المقبلة، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من منطق “كسب الأصوات” إلى منطق “بناء الثقة”، ومن مقاربة ظرفية قائمة على الإحسان الموسمي إلى رؤية استراتيجية قوامها العدالة الاجتماعية والنجاعة المؤسساتية. فقط حينها يمكن الحديث عن ممارسة سياسية ناضجة تستجيب لتطلعات المواطنين وتحصّن المسار الديمقراطي.

الاخبار العاجلة