أسبوع ترند الدموع… هل دخل صناع المحتوى سباقا في استعراض المآسي؟

أسبوع ترند الدموع… هل دخل صناع المحتوى سباقا في استعراض المآسي؟

جليلة بنونة

لم يعد البكاء أمام الكاميرا استثناء يفرضه ظرف قاس، بل أصبح مشهدا مألوفا يتكرر على منصات التواصل بشكل يكاد يبدو ممنهجا. فيسبوك وإنستغرام وتيك توك لم تعد فضاءات لعرض الأفكار أو مشاركة التجارب فحسب، بل تحولت لدى بعض صناع المحتوى إلى مسرح مفتوح تبث عليه الانكسارات الشخصية، من ذكريات الطفولة المؤلمة، إلى الطلاق، والخلافات الأسرية، والخذلان، وكل ما يمكن أن يستدر التعاطف ويجذب الأنظار.

كان الإنسان، إلى وقت قريب، يلجأ إلى المقربين أو إلى مختص نفسي عندما تضيق به الحياة. أما اليوم، فأصبحت الكاميرا أول من يستقبل الانهيار، وأصبح الجمهور يؤدي دور المعالج والشاهد في آن واحد، يواسي بالتعليقات ويمنح بالإعجابات ما يشبه جرعة مؤقتة من الدعم، بينما تستمر الحكاية في حلقة جديدة.

المسألة لم تعد تتعلق بحالات معزولة بل بموجة يصعب تجاهلها. كل يوم يخرج شخص يروي مأساته باكيا، وآخر يعيد فتح جراح قديمة، وثالث يحول تفاصيل حياته الزوجية إلى مادة للنقاش العام. وكأن السباق لم يعد حول جودة المحتوى، بل حول حجم الألم المعروض أمام العدسات.
لا أحد يعترض على حق الإنسان في التعبير عن أوجاعه، فالبوح قد يكون خطوة نحو التعافي، وقد يسهم في كسر الوصمة المرتبطة ببعض القضايا النفسية والاجتماعية.
لكن الفارق كبير بين مشاركة تجربة تمنح الآخرين أملا أو وعيا، وبين تحويل المعاناة إلى عرض متكرر لا يتوقف إلا عندما تتراجع أرقام التفاعل.

المقلق أن خوارزميات المنصات تبدو أكثر سخاء مع المحتوى المشحون بالعاطفة. فكلما ارتفع منسوب الدموع، ارتفعت معه نسب المشاهدة والتعليقات والمشاركة. وهنا يفقد الألم معناه الإنساني، ويصبح جزءا من اقتصاد رقمي تحكمه الأرقام، حيث تتحول المأساة إلى وسيلة لجذب الجمهور، ويغدو الوجع استثمارا يدر أرباحًا وشهرة.

في المقابل، لم يعد جزء كبير من الجمهور يخفي امتعاضه من هذا السيل المتواصل من البكاء. كثيرون يرون أن المنصات امتلأت بطاقة مثقلة بالحزن، وأن المستخدم الذي يدخل بحثا عن المعرفة أو الترفيه يجد نفسه غارقا في قصص الانكسار والانهيار، حتى باتت الدموع تنافس كل أشكال المحتوى الأخرى.
الأخطر أن هذه الموجة كسرت الحدود الفاصلة بين الحياة الخاصة والفضاء العام. تفاصيل كانت تناقش داخل الأسرة أو في جلسات العلاج النفسي أصبحت تبث مباشرة أمام ملايين الغرباء. الخلافات الزوجية، مشاكل الأبناء، الصدمات النفسية، وحتى أكثر الذكريات خصوصية، كلها تحولت إلى مادة قابلة للنشر والاستهلاك.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى بعض صناع المحتوى قناعة خطيرة: أن التأثير لا يقاس بما تقدمه من قيمة أو معرفة، بل بقدرتك على إثارة الشفقة وتحريك المشاعر. وهكذا أصبح الحزن سلعة، وأصبحت المأساة قالبا جاهزا لتحقيق الانتشار.
ويبقى السؤال مطروحا بإلحاح: هل ما نشاهده تعبير صادق عن معاناة حقيقية، أم أن بعضهم اكتشف أن الدموع أصبحت عملة رقمية تضمن الوصول إلى “الترند” أكثر مما تضمنه الأفكار والإبداع؟
في زمن تكافئ فيه الخوارزميات الإثارة قبل القيمة، يبدو أن بعض المؤثرين وجدوا الوصفة الأسرع للانتشار: كاميرا مفتوحة، قصة موجعة، ودموع في الوقت المناسب. أما الخاسر الحقيقي، فهو المتلقي الذي يجد نفسه يستهلك الحزن يوميا، حتى فقدت المأساة وقعها، وأصبح الوجع مجرد محتوى آخر يمر على الشاشة.

الاخبار العاجلة