يونس لكحل – المغرب العربي بريس
تستيقظ الساكنة مع كل زخة مطر قوية على مشهد يتكرر بمرارة ، طرق معبدة تتآكل كأنها من ورق، قناطر تنهار أمام أول فيضان، ومنشآت سكنية ومؤسساتية تحاصرها المياه لأنها بُنيت في مجاري الوديان أو المنخفضات. هذا المشهد ليس قدرا طبيعيا ، بل هو تساؤل حارق يوجه لخاصرة التدبير العمومي، ومكاتب الدراسات، والمقاولات النائلة للصفقات ولجان التتبع والمراقبة.
فمكاتب الدراسات تلتهم ميزانيات ضخمة من المال العام تحت مسمى ” الدراسات القبلية والمعمقة “، لكن الواقع يكشف عن فجوة سحيقة بين الورق والميدان، فكيف يُعقل تقنياً وهندسياً أن تتم المصادقة على شق طرق أو بناء منشآت فنية في مناطق – شعاب- معروفة تاريخياً بنشاطها الهيدرولوجي دون وضع منشآت صرف وحماية كافية؟
والحقيقة هو انه وبغياب الدراسات الهيدرولوجية تكتفي بعض المكاتب بدراسات “سطحية ” لا تأخذ بعين الاعتبار دورات الفيضانات الكبرى (التي قد تحدث كل 10 سنوات أو اكثر )،
كما يتم أحياناً تطبيق تصاميم هندسية لبيئات جافة على مناطق ذات تضاريس وعرة ومنخفضات، مما يجعل تلك المنشآت “غريبة” عن محيطها الطبيعي وغير قادرة على الصمود…
فإنهيار قنطرة أو تفتت طريق حديث الإنجاز لايعد فشلاً هندسياً وفقط ، بل هو مؤشر صارخ على الغش في المواد المستعملة وضعف كفاءة المقاولات المنفذة. مما يضعنا أمام معادلات غريبة بوجود ميزانيات ضخمة تُرصد للمشاريع ،وفي المقابل
وجود مقاولات ضعيفة تفتقر للآليات والخبرة التقنية.
وهو الوضع الذي يكرس ضياعاً مستمراً للمال العام، حيث يتم الإضطرار لإعادة إصلاح مشاريع جديدة بميزانيات إضافية، فيما يشبه النزيف المستدام للمال العام …
وأمام هذا الوضع المخزي تبرز الحلقة الأضعف والأكثر إثارة للجدل : محاضر التتبع والمراقبة.!! فكيف توقع اللجان التقنية على محاضر التسليم النهائي لمشاريع تفتقر لأبسط معايير الجودة ودراسة علمية حقيقية ؟ واين هي الحكامة الجيدة وتفعيل قانون الصفقات العمومية وتطبيقه بكل مسؤولية وفعالية …؟ اسئلة محيرة تستدعي البحث والتدقيق والمساءلة … باعتبار ان وجود مشاريع فاشلة على أرض الواقع يسائل نزاهة هذه اللجان ويفتح الباب واسعاً أمام فرضيات الفساد المستشري المحتمل ، والمجاملات التي تتم على حساب سلامة المواطنين وحرمة المال العام.، فتحول المشاريع التنموية إلى أطلال مع أول قطرة مطر هو دليل قاطع على أن الظلم تحول إلى ظلمات’ تُرى بالعين المجردة وفي واضحة النهار، و
أصبح مع كل ما هو حاصل من الضروري والملح تدخل الدولة بكل ثقلها عبر فتح تحقيقات وطنية شاملة، فلا يجب أن تمر الانهيارات كحوادث عارضة، بل يجب إرسال لجان تفتيش مركزية للوقوف على جودة المواد ومطابقتها لدفاتر التحملات من خلال تفعيل المحاسبة القانونية عبر ترتيب الجزاءات الإدارية والجنائية في حق كل من وقع على محاضر تتبع كاذبة أو غض الطرف عن عيوب تقنية واضحة،
لأن البنية التحتية هي عصب التنمية، والاستمرار في تشييد مشاريع مغشوشة في الوديان والمنخفضات هو عبث بمستقبل البلاد واستخفاف بذكاء المواطن ومقدرات الوطن، فتحول الواقع المشاهد إلى فشل تنموي بتمويل عمومي …!!
فإنجاز منشآت فنية ضعيفة بقناطر و قنوات وطرق دون دراسات طبوغرافية وهيدرولوجية دقيقة هو ضرب من العبث بالمال العام …

