فاس تحت الأنقاض المؤجَّلة: حين يتحول الإنقاذ إلى إدارة للخطر

ملف الدور الآيلة للسقوط يكشف كيف تحولت الحلول المؤقتة إلى سياسة دائمة، وكيف تُدار حياة المواطنين بمنطق التأجيل بدل الحسم.

فاس تحت الأنقاض المؤجَّلة: حين يتحول الإنقاذ إلى إدارة للخطر
مصطفى مجبر
مصطفى مجبر

مصطفى مجبر -المغرب العربي بريس

ملف الدور الآيلة للسقوط يكشف كيف تحولت الحلول المؤقتة إلى سياسة دائمة، وكيف تُدار حياة المواطنين بمنطق التأجيل بدل الحسم.

في فاس، لم يعد انهيار الدور الآيلة للسقوط حدثًا عابرًا، بل أصبح نتيجة متوقعة لمسار طويل من التساهل، والتأجيل، وتبديد الزمن والأموال تحت شعارات فضفاضة. مدينة تُدار بمنطق الانتظار، حيث يُترك الخطر يتكاثر، ثم يُستدعى الخطاب الرسمي بعد الفاجعة، وكأن الأرواح مجرد تفاصيل في تقارير ما بعد الانهيار.

الدور الآيلة للسقوط لم تعد استثناءًا، بل أصبحت مشهدًا يوميًا مألوفًا، يتعايش معه السكان قسرًا.

جدران تتشقق وأسقف تضعف،وبيوت مصنفة خطرة ما تزال مأهولة وساكنة تُجبر على التعايش مع الخوف اليومي لأن البديل غير موجود، أو لأن القرار مؤجل. ومع ذلك، تستمر السياسات الرسمية في اعتماد أعمدة خشبية وحديدية للتدعيم المؤقت، والتي تتحول مع الوقت إلى رمز للترقيع بدل الحماية.

? أرقام وإحصائيات صادمة:
• على الصعيد الوطني، هناك أكثر من 40 ألف بناية آيلة للسقوط، وتتصدر الدار البيضاء وفاس قائمة المدن الأكثر هشاشة.
• آلاف المباني خضعت للخبرة التقنية لتحديد درجة خطورتها، لكن العديد منها ما زال يشكل خطرًا مباشرًا على السكان.
• في فاس وحدها، شهدت المدينة انهيارات مأساوية متعددة في السنوات الأخيرة، منها انهيار بنايتين في حيّ “المستقبل” ليلة 9 ديسمبر 2025، ما أسفر عن وفاة 22 شخصًا وإصابة 16 آخرين.
• في مايو 2025، انهارت عمارة سكنية في حي الحسني، ما أسفر عن مصرع 9 أشخاص وإصابة 7 آخرين بالرغم من صدور أوامر بالإخلاء.
• على المستوى الوطني، أظهرت الإحصائيات أن أكثر من 18 ألف بناية آيلة للسقوط، 85٪ منها ما تزال مأهولة بالسكان، ما يهدد حياة أكثر من 57 ألف أسرة بالتشريد إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة.

هذه الأرقام تكشف أن المشكلة ليست محلية أو عرضية، بل ظاهرة بنيوية على مستوى المغرب بأكمله، وتضع نظم التدخل الرسمية أمام واقع يستدعي إعادة تقييم السياسات الحالية وتبني حلول إسكانية استباقية حقيقية بدل الاعتماد على ترقيعات مؤقتة لا تردع الخطر ولا تحفظ الأرواح.

أما مؤسسة “إنقاذ فاس”، التي كان يُنتظر منها أن تكون رأس حربة التدخل الحاسم، فقد تحولت في الوعي العام إلى عنوان إداري أكثر منه قوة ميدانية. لا برامج إعادة هيكلة واسعة، ولا تسريع في الإفراغ الاستباقي، ولا شفافية حول مآل المباني المدعّمة منذ سنوات. هذا الواقع يجعل من الإنقاذ شعارًا على الورق، لا واقعًا يحمي السكان.

لقد صُرفت أموال عمومية كبيرة باسم الاستعجال وحماية الأرواح والتراث، ومع ذلك ما زال المواطن الفاسي يوقظ أطفاله كل صباح تحت سقف لا يثق به. الفواجع تُقرأ كأخبار عاجلة، لا كفشل متوقع كان بالإمكان تفاديه. ما زال منطق “ما بعد الانهيار” هو القاعدة، بدل التدخل الاستباقي الذي يحفظ الأرواح قبل وقوع الكارثة.

أخطر ما في هذا الملف ليس هشاشة المباني فقط، بل هشاشة القرار. حين يصبح الخطر جزءًا من المشهد اليومي، وحين تُقنع الساكنة بأن الأعمدة كافية، وبأن الانتظار حل، فنحن أمام فشل جماعي لا تغطيه لغة التبرير.

هذا العدد الخاص ليس دعوة للتهويل، بل محاولة لكسر الصمت، ومسألة مشروعة لكل من يملك سلطة القرار: فاس تحتاج إلى شجاعة سياسية وإدارية تعترف بالفشل وتضع حدًا لمنطق الترقيع، قبل أن تسقط الجدران على من لا يملكون سوى الصبر.

i

الاخبار العاجلة