26 عاماً من حكم محمد السادس: تحولات استراتيجية في ملف نزاع الصحراء المغربية
تعتبر السنوات الست والعشرون من حكم محمد السادس نقطة تحوّل مصيرية في النزاع حول الصحراء المغربية. شهدت هذه الفترة تغييرات جذرية في الاستراتيجية المغربية تجاه قضية الصحراء، إذ تمثل عام 2002 لحظة فارقة، عندما عقد الملك أول مجلس وزاري خارج العاصمة الرباط في الداخلة، عاصمة إقليم وادي الذهب. لقد جسّد هذا الحدث السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، مُبشراً برسالة للعالم بأن الصحراء الغربية ستظل مغربية.
واجهت الأمور تزايدًا في تعقيدها بعد أن قدم الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة مقترح تقسيم الصحراء للمبعوث الأممي جيمس بيكر في عام 2002. رفض المغرب هذا الطرح بشكل قاطع، مؤكدًا في خطاب العرش عام 2003 على أن مبدأ “تقرير المصير” الذي تروّج له الجزائر لا يحمل أي مصداقية.
شكلت سنة 2002 انطلاقة استراتيجية جديدة تقوم على الحزم، حيث توالت خطب الملك التي أكدت على عدم تنازل المغرب عن شبر واحد من أراضيه. كان خطاب المسيرة الخضراء عام 2009 تأكيدًا على هذه العزيمة، وقد أُشيد بعده بتحسن وضوح مواقف الدول تجاه السيادة المغربية.
منذ ذلك الوقت، أصبحت خطابات الملك جزءًا من الإطار الاستراتيجي الذي يحدّد الموقف المغربي من الصحراء. تأثرت العديد من الدول بسياسة الحزم، وجاءت ردود فعلها أكثر تمايزًا، مما أدى إلى تراجع الدول التي كانت تدعم جمهورية تندوف.
في أبريل 2007، قدم المغرب مقترح الحكم الذاتي كوسيلة للضغط على المجتمع الدولي من أجل دعم موقفه. هذا الاقتراح تمكّن من تغيير مواقف الدول ومنعها من الانزلاق وراء الدعاية الجزائرية، فمنذ ذلك الحين، تراجع عدد الدول التي تعترف بالجمهورية الوهمية.
مع مرور السنوات، واصل المغرب تعزيز استراتيجيته عبر الاعتراف الدولي بموقفه. كان الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء في ديسمبر 2020 نقطة فارقة. رغم محاولات الجزائر التأثير على الموقف الأمريكي، فقد فشلت في ذلك، مما عكس قوة المغرب الدبلوماسية.
استندت الاستراتيجية المغربية إلى تحالفات دولية، أبرزها التحالف مع دول الخليج وتوسيع الشراكات مع دول متنوعة. كما أطلقت مبادرات للمصالحة مع الجزائر، إلا أن التصعيد الجزائري وحشد الجيش على الحدود زاد من تعقيد العلاقات.
تحت إشراف العاهل المغربي، عاد المغرب إلى المنظمة الإفريقية في 2017، مما ساهم في تحييد دور الجزائر التخريبي. قدم المغرب نموذجًا للتنمية والإصلاحات السياسية، مما زاد من مصداقية الدولة على الساحة الدولية وشجّع على الاستثمارات في القارة السمراء.
نجح المغرب في إظهار جديّته في جهود التنمية، مما جعله يُعتبر لاعبًا رئيسيًا في القارة الإفريقية. فقد عُرف المغرب بمشاريع المساهمة في حل النزاعات وتعزيز التنمية المستدامة، وهو ما يشير إلى الفرق الجوهري بين المشروع المغربي والمشروع الانفصالي الذي تقوده الجزائر.
يتضح أن الفرق بين مشروعين ينطلق أحدهما من خلفية الحرب والتخريب، في حين يتبنى الآخر رؤية تنموية تساهم في الأمن والازدهار. إن استمرار النزاع يتوقف على خطوات نهائية، أهمها طرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي وصدور استنتاجات واضحة من الأمم المتحدة تعزز مغربية الصحراء.
بذلك، يُعتبر الملك محمد السادس قد خطا خطوات حاسمة تعزّز موقف المغرب في الصراع التاريخي حول الصحراء، معزّزا الشرعية التاريخية للدولة ومفتحًا أفقًا أكبر في العلاقات الدولية.

