قراءة في كتاب “سنوات قلم الرصاص، نوستالجيا من ذاكرة المدرسة العمومية” لجمال بدومة

قراءة في كتاب “سنوات قلم الرصاص، نوستالجيا من ذاكرة المدرسة العمومية” لجمال بدومة

جواد جعواني

صدر كتاب “سنوات قلم الرصاص، نوستالجيا من ذاكرة المدرسة العمومية” للإعلامي والكاتب المغربي جمال بدومة عن دار أكورا للنشر والتوزيع، في طبعة أنيقة تمتد على 132 صفحة.
ويكفي التوقف عند العنوان حتى تبدأ القراءة قبل فتح الصفحة الأولى، فعبارة “سنوات قلم الرصاص” تستدعي تلقائياً إلى الذهن “سنوات الرصاص”، بما تحمله من حمولة تاريخية وسياسية في الذاكرة المغربية. غير أن كلمة واحدة تغير اتجاه المعنى كله. ينسحب الرصاص ويحضر قلم الرصاص؛ أداة الطفل وهو يتعلم كتابة الحروف الأولى، ويكتشف العالم من خلال الدفتر والسبورة والمعلم. انتقال بسيط في اللغة، لكنه يفتح باباً واسعاً على ذاكرة أخرى، ذاكرة صنعتها التفاصيل اليومية التي لا تجد مكاناً في كتب التاريخ.

Screenshot

تمضي الصفحات الأولى، فتأخذ ميدلت مكانها بهدوء داخل السرد. تتجاوز حضورها باعتبارها مدينة احتضنت طفولة الكاتب، إلى فضاء يحمل ذاكرته الخاصة. برد الأطلس، والثلوج التي كانت تطيل الشتاء، والشوارع الهادئة، والأحياء البسيطة، كلها عناصر تتجاوز وظيفة الوصف لتمنح الحكايات روحا ومعنى، فيشعر القارئ بأن المكان يروي سيرته هو الآخر، وأن المدينة تحتفظ بأصوات أطفالها كما تحتفظ الجبال بآثار الثلج بعد انقضاء الشتاء.
وسرعان ما تتجاوز الحكاية حدود التجربة الشخصية، أسماء الأساتذة قد تختلف من مدرسة إلى أخرى، وأسماء الأحياء تتغير، لكن رهبة القسم وصوت الجرس وانتظار إعلان النتائج والخوف من الوقوف أمام السبورة، كلها صور استقرت في ذاكرة أجيال كاملة من أبناء المدرسة العمومية. لهذا السبب يجد كثير من القراء أنفسهم داخل هذه الصفحات، حتى وإن لم يسبق لهم أن زاروا ميدلت، فالذاكرة هنا تتسع لتصبح ذاكرة مشتركة، يتقاطع فيها الخاص مع العام من دون افتعال.
ويملك جمال بدومة حساً لافتاً في التقاط التفاصيل الصغيرة، تلك التفاصيل التي تبدو عابرة عند وقوعها، ثم يتبين بعد سنوات أنها كانت الأقدر على مقاومة النسيان. الطريق إلى المدرسة في صباحات البرد، الأصابع المتجمدة، ساحة اللعب الترابية، دفاتر التلاميذ، قطعة الطباشير والعصا الموضوعة دائماً في زاوية القسم، حيث لا شيء يبدو استثنائياً في هذه الصور، غير أنها حين تجتمع ترسم ملامح مرحلة كاملة من تاريخ المدرسة العمومية في المغرب.
داخل القسم لا يتعلم الطفل القراءة والكتابة وحدهما، هناك يكتشف معنى السلطة للمرة الأولى، ويتعرف على الخوف ويختبر المنافسة ويصنع صداقاته الأولى، كما أنه في تلك السن المبكرة تبدأ صورة العالم في التشكل، لذلك تبدو المدرسة في هذا الكتاب امتداداً للمجتمع أكثر من كونها مؤسسة منفصلة عنه، كما أن القيم التي يحملها التلاميذ إلى بيوتهم تشبه تلك التي يعودون بها إلى أقسامهم، ولهذا تتداخل الأسرة والحي والمدرسة في نسيج واحد يصعب الفصل بين عناصره.
ويجد القارئ أن العنف المدرسي حاضر في أكثر من محطة، لكنه لا يحتل الواجهة وحده، فالعصا التي كانت جزءاً من المشهد اليومي لا تمحو صورة المعلم الذي ترك أثراً طيباً في نفوس تلامذته، كما أن قسوة بعض الممارسات لا تلغي مكانة المدرسة في وجدان الأسر التي كانت ترى في التعليم الطريق الأقصر نحو حياة أفضل، لذلك ظل هذا الفضاء، بكل تناقضاته، حاملاً لوعد اجتماعي كبير، خصوصاً بالنسبة لأبناء المدن الصغيرة والهوامش.

Screenshot

الكتاب يعيد أيضاً الاعتبار لطفولة سبقت الشاشات والهواتف الذكية، حين كان الأطفال يصنعون ألعابهم بأيديهم، ويحولون الأكياس البلاستيكية إلى كرة قدم، ويبتكرون آلات موسيقية من الأسلاك وقوارير الزيت الفارغة، لم يكن ذلك احتفاء بالفقر، وإنما تعبيراً عن قدرة مدهشة على تحويل القليل إلى مصدر للمتعة، فالخيال كان يقوم بما تقوم به التكنولوجيا اليوم، وربما أكثر.
الحنين يسري في النص كله، لكنه لا يحاول تزيين الماضي أو إخفاء قسوته، فالبرد كان قاسيا والإمكانيات محدودة والعقاب الجسدي كان جزءا من الثقافة التربوية في تلك المرحلة ومع ذلك بقي في الذاكرة دفء يصعب تفسيره، ربما لأن العلاقات الإنسانية كانت أكثر مباشرة، وربما لأن الطفولة تمتلك قدرة نادرة على استخراج الفرح من أبسط الأشياء.
تتجاوز قيمة “سنوات قلم الرصاص” استعادة الذكريات، فالكتاب يحتفظ بجزء من الذاكرة الاجتماعية المغربية التي لا تظهر في الوثائق الرسمية ولا في كتب التاريخ، فمن سيكتب عن كرة صنعت من البلاستيك والخرق؟ ومن سيؤرخ للطريق الذي كان يقطعه الأطفال وسط الثلوج للوصول إلى المدرسة؟ ومن سيحفظ أسماء المعلمين الذين تركوا أثراً في نفوس تلامذتهم أكثر مما تركته المناهج نفسها؟ مثل هذه التفاصيل تبدو هامشية، لكنها هي التي تمنح المجتمعات ذاكرتها الحقيقية.
لغة جمال بدومة تنسجم مع طبيعة المشروع الذي ينجزه، لغة هادئة، شفافة، تبتعد عن الزخرفة، وتترك الحكاية تتقدم بثقتها الخاصة، لذلك لا يشعر القارئ أنه أمام كاتب يسعى إلى إثارة الإعجاب بأسلوبه، وإنما أمام راوٍ يفتح صندوقاً قديماً ويخرج منه صوراً احتفظت بألوانها رغم مرور الزمن.

عند إغلاق الصفحة الأخيرة، يبقى الإحساس بأن “سنوات قلم الرصاص” يساهم في إعادة بناء جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة، حيث يبدأ الكتاب من مدينة صغيرة في الأطلس، ثم تتسع دائرته شيئاً فشيئاً حتى تشمل جيلاً كاملاً عرف المدرسة العمومية في زمن كانت فيه الحياة أكثر خشونة، لكنها كانت تترك في المقابل، مساحة واسعة للخيال، وللرفقة وللأحلام الصغيرة التي كانت تكفي كي يبدو العالم مكانا يستحق أن يُكتشف.

الاخبار العاجلة