زراعة العطش..من زاكورة وطاطا إلى قفصة، كيف تهدد الزراعات المستنزفة للمياه مستقبل الواحات والفلاحين الصغار بالمغرب وتونس؟

المغرب العربي بريسمنذ ساعة واحدة
زراعة العطش..من زاكورة وطاطا إلى قفصة، كيف تهدد الزراعات المستنزفة للمياه مستقبل الواحات والفلاحين الصغار بالمغرب وتونس؟

ريبورتاج عابر للحدود
من إعداد جواد جعواني (المغرب) ومالك زغدودي (تونس)

من واحات الجنوب الشرقي للمغرب إلى الحقول الممتدة على أطراف المجال الصحراوي التونسي، تتقاطع الحكايات حول الموارد المائية التي تعرف ندرة حادة، ففي وقت تتزايد فيه آثار الجفاف والتغيرات المناخية، تواصل بعض الزراعات ذات الاستهلاك المرتفع للمياه التوسع داخل مناطق تعاني أصلاً من الجفاف، مما يثير أسئلة متزايدة حول مستقبل الموارد الطبيعية وقدرة هذه المجالات على الصمود.
في هذا التحقيق العابر للحدود، المنجز في إطار مشروع «حقوق ومساواة» لمنظمة المادة 19، نرصد من المغرب وتونس كيف أصبحت المياه محور صراع صامت بين متطلبات الإنتاج الفلاحي وحاجيات السكان المحليين، ومن خلال شهادات فلاحين وخبراء وفاعلين مدنيين، نحاول فهم الكلفة البيئية والاجتماعية لنماذج فلاحية تستهلك موارد مائية تتراجع عاماً بعد آخر، في وقت يزداد فيه القلق بشأن حق الأجيال المقبلة في الماء.

المغرب، البطيخ الأحمر في أرض العطش… حين يهاجر الماء وتشيخ الواحات
هنا، في جماعة فم زكيد بإقليم طاطا، يبدو كل شيء خاضعاً لقانون الندرة، الجبال الصخرية الجرداء تحاصر المكان من الجهات الأربع، والريح الساخنة تحمل معها ذرات الغبار أكثر مما تحمل رائحة النباتات. في منتصف النهار، تكاد الطرقات الترابية تخلو من المارة، فيما تبدو الواحات المتناثرة على امتداد الوادي كجزر صغيرة تقاوم زحف الجفاف.

في هذه المنطقة الواقعة جنوب شرق المغرب، حيث خرج السكان خلال السنوات الأخيرة في وقفات ومسيرات احتجاجية عُرفت محلياً “بـمسيرات العطش”، لا تتجاوز التساقطات المطرية في بعض السنوات سوى بضع عشرات من المليمترات. هنا، يكاد الحديث عن الماء يرافق كل تفاصيل الحياة اليومية. في الحقول يتساءل الفلاحون عن مصير الموسم المقبل، وفي الأسواق تتكرر الشكاوى نفسها، أما في المقاهي فلا يكاد يخلو مجلس من نقاش حول الآبار التي جفت أو السواقي التي انقطع عنها الجريان.
على امتداد الطريق المؤدية إلى الدواوير، كانت آثار الجفاف حاضرة في كل مكان. نخيل فقد جزءاً من خضرته، سواقي جافة، وآبار اضطر أصحابها إلى تعميقها مرة بعد أخرى بحثاً عن الماء.

الحاج موحى… آخر الحراس
غير بعيد عن الحقول، كان الحاج موحى يجلس قرب بئر جافة. وضع كفه على حافة الإسمنت المتآكل، ثم ظل ينظر طويلاً إلى الداخل. لم يكن في القاع سوى الظلمة.
أخذ حجراً صغيراً ورماه في البئر. انتظرنا جميعاً صوت ارتطامه بالماء، لكن ما سمعناه كان مجرد صدى خافت ارتد من الأعماق.
ابتسم الشيخ وقال، “هذه البئر ربّت أولادي… واليوم لم تعد قادرة حتى على سقي نخلة واحدة.”
يتحدث الحاج موحى عن الماء كما يتحدث الناس عن شخص غادرهم منذ زمن قريب. لا يستحضر أرقاماً أو دراسات، إنما يستعيد صوراً من حياته، حيث يتذكر السواقي وهي تمتلئ بالماء في مواسم الخير، والرجال الذين كانوا يلتقون في الحقول مع أول ضوء للفجر، وأيام جني التمور حين تتحول الواحة إلى خلية عمل لا تهدأ، كانت العائلات تتقاسم الجهد كما تتقاسم الماء، وكان الأطفال يركضون بين أشجار النخيل التي كانت أكثر كثافة مما هي عليه اليوم.
حين يشير إلى الأرض الممتدة أمامه، يصعب تصديق أن أبناءه الثلاثة كانوا يشتغلون هنا يوماً ما، الأكبر يعمل اليوم في مراكش، والثاني في أكادير، والثالث في الدار البيضاء، لا يعودون إلا في الأعياد والمناسبات.
يقول الحاج موحى وهو يراقب النخيل المتناثر على أطراف الواحة، “لم نكن نفكر في الرحيل. الأرض كانت تتكفل بنا.” تم يصمت قليلاً قبل أن يضيف، “أما الآن، فمن بقي من الشباب هنا؟”
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يلخص حكاية تتكرر في كثير من دواوير زاكورة وطاطا، فكل بئر جفت دفعت مزيداً من الناس إلى الرحيل، وكل نخلة ماتت أخذت معها سبباً إضافياً للبقاء.

هجرة صامتة من قلب الواحات
لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل كي يلاحظ أثراً آخر للأزمة، ففي عدد من دواوير زاكورة وطاطا، يبدو الشيوخ أكثر حضوراً من الشباب، كثير من أبناء الواحات غادروا نحو أكادير ومراكش والدار البيضاء بحثاً عن العمل، تاركين وراءهم آباءً يواصلون التشبث بالأرض رغم قسوة الظروف. فبالنسبة للسكان المحليين، لا يتعلق الأمر بهجرة عادية، إنما يتعلق الأمر بتحول بطيء يغير ملامح المجتمع الواحي نفسه، حيث تتراجع الأعمال الجماعية المرتبطة بالسقي وجني التمور، وتختفي تدريجياً بعض أشكال التضامن التي ميزت الحياة اليومية لعقود طويلة.

خضرة وسط القحط
في الطريق نحو زاكورة، يبدو المشهد متناقضاً إلى حد الصدمة. الجبال الجرداء والأودية الجافة والقرى الصغيرة تعكس بوضوح قسوة المناخ، لكن وسط هذا المشهد تظهر فجأة مساحات خضراء واسعة من البطيخ الأحمر.
للوهلة الأولى يبدو الأمر علامة على نجاح فلاحي، غير أن كثيراً من أبناء المنطقة يرون فيه وجهاً آخر للأزمة.
يقول أحد الفلاحين بمرارة: “هذه الحقول الخضراء ترويها الفرشات المائية التي تختفي يوماً بعد يوم.”
من نافذة السيارة، تتوالى الحقول على امتداد الطريق، وتبدو للناظر من بعيد وكأنها تتحدى طبيعة المكان. فاللون الأخضر الذي يطغى على أجزاء من المشهد يقطع فجأة امتداد الأرض الجافة، ويمنح انطباعاً بوفرة لا تعكسها دائماً أحاديث السكان.
في الدواوير المجاورة، لا يكاد يمر مجلس أو لقاء عابر دون أن يتحول الحديث إلى الماء. بعضهم يتحدث عن آبار لم تعد تعطي ما كانت تعطيه في السابق، وآخرون يستحضرون مواسم كانت السواقي خلالها أكثر امتلاءً والحياة أقل قسوة. وبين هذه الذكريات وتلك الحقول الممتدة على أطراف الواحات، يتشكل جزء من الجدل الدائر اليوم حول مستقبل المنطقة.

لا أحد هنا ينكر أن هذه الزراعات وفرت فرص عمل ومداخيل لعدد من الأسر، غير أن كثيرين يتساءلون عن الثمن الذي قد تدفعه الواحات على المدى البعيد. فبينما تغادر الشاحنات المحملة بالبطيخ نحو الأسواق البعيدة، يواصل سكان المنطقة مراقبة آبارهم وحقولهم ونخيلهم بقلق متزايد، وكأنهم يحاولون الإجابة عن سؤال لا يغيب عن أحاديثهم: هل يستطيع هذا المجال الهش أن يتحمل كل هذه التحولات؟
في مكان اعتاد أهله تدبير الندرة بحذر، تبدو العلاقة بين الماء والأرض أكثر حساسية من أي وقت مضى. ولذلك لا ينظر الجميع إلى هذه الحقول بالطريقة نفسها؛ فبينما يراها البعض فرصة اقتصادية واعدة، يراها آخرون علامة على اختلال يتسع عاماً بعد آخر.

رشيد البلغيتي، من الرباط إلى طاطا.. ذاكرة رجل تقلقه الواحة
التقينا رشيد البلغيتي في أحد مقاهي الرباط، كان قد أنهى للتو موعداً مهنياً، لكن الحديث سرعان ما أعاده إلى الجنوب الشرقي للمغرب، إلى إقليم طاطا حيث ولد وترعرع وسط الواحات والحقول والنخيل.
على بعد مئات الكيلومترات من مسقط رأسه، كان يتحدث عن الواحة كما يتحدث شخص عن أحد أفراد عائلته. يستحضر أسماء القرى والوديان والآبار القديمة، ويتذكر مواسم جني التمور وأيام الطفولة التي كان يقضيها بين الحقول. لذلك لم يكن حديثه عن أزمة الماء مجرد تحليل صحفي أو موقف ناشط مدني، بل بدا أقرب إلى شهادة ابن منطقة يرى جزءاً من ذاكرته الجماعية يتآكل أمام عينيه.

يقول البلغيتي، “عندما أعود إلى طاطا اليوم، أشعر أن شيئاً ما تغير بشكل عميق، ليست وحدها الآبار التي جفت أو النخيل الذي تراجع، إنما أيضا روح المكان لم تعد كما كانت.”
ويرى المتحدث أن ما تعيشه المنطقة لا يمكن تفسيره بالجفاف والتغيرات المناخية وحدهما، رغم خطورتهما، الأمر راجع أيضاً لاختيارات تنموية ساهمت في تعميق الأزمة.
ويضيف، “صحيح أن الجفاف عامل أساسي، لكن تحميل الطبيعة وحدها المسؤولية فيه قدر من التبسيط. نحن أمام نموذج اقتصادي وفلاحي سمح خلال السنوات الأخيرة بالتوسع الكبير لزراعات مستنزفة للمياه داخل مجالات تعاني أصلاً من هشاشة مائية بنيوية.”
وبحسب البلغيتي، فإن جزءاً من هذا التحول ارتبط بسيطرة مستثمرين كبار على مساحات واسعة من أراضي الجموع والأراضي السلالية، وتحويلها إلى ضيعات فلاحية كبرى موجهة للإنتاج التجاري والتصدير.
ويقول، “في مناطق كثيرة، لم تعد الأرض تؤدي الوظيفة الاجتماعية التي كانت تؤديها داخل المجتمع الواحي، إنما أصبحت تُدار بمنطق السوق والربح. وهذا التحول كانت له آثار تتجاوز الفلاحة لتصل إلى العلاقات الاجتماعية نفسها.”
ويتحدث البلغيتي أيضاً عن أوضاع اليد العاملة الزراعية، مشيراً إلى أن العديد من العمال والعاملات يشتغلون في ظروف صعبة، مقابل أجور هزيلة، ودون استفادة كاملة من الحقوق الاجتماعية التي يضمنها القانون.
ويضيف، “شهدت المنطقة أكثر من حادثة سير مأساوية ارتبطت بوسائل نقل العمال الزراعيين في ظروف لا تحترم الحد الأدنى من شروط السلامة، لكن هذه القصص غالباً ما تختفي بسرعة من النقاش العمومي.”
ومن الجانب البيئي، يحذر من التأثيرات المتراكمة لبعض المبيدات والمواد الكيميائية المستعملة في الضيعات الكبرى، وما قد تسببه من أضرار على التربة والموارد المائية والزراعات التقليدية التي شكلت لقرون العمود الفقري للاقتصاد الواحي.

لكن أكثر ما يقلق البلغيتي، كما يقول، ليس فقدان الماء وحده، إنما فقدان الإنسان أيضاً، حيث يقول بحرقة “أخشى أن يأتي يوم نجد فيه الواحات ما تزال موجودة على الخرائط، لكنها فارغة من سكانها، الشباب يهاجرون، والشيوخ يشيخون وحدهم، والأرض تفقد معناها شيئاً فشيئاً.”
يصمت قليلاً قبل أن يضيف «الواحات المغربية لا يمكن تبسيطها في مجرد أراضٍ زراعية، فهي كانت فيما مضى طريقة في العيش، وثقافة، وذاكرة جماعية. وإذا فقدناها، فإننا سنفقد جزءاً من أنفسنا أيضاً.”

حين يصبح الماء سلعة
لم تكن الواحات التقليدية تعتمد على هذا النوع من الزراعات. فقد قامت الحياة الواحية تاريخياً على نظام بيئي متوازن يجمع بين النخيل والأشجار المثمرة وبعض الزراعات المعيشية التي تراعي ندرة المياه.
لكن مع تزايد الطلب على البطيخ الأحمر في الأسواق الوطنية والأوروبية، دخلت حسابات السوق بقوة إلى المجال الواحي.
بالنسبة لعدد من الفلاحين، شكل البطيخ فرصة لتحقيق أرباح سريعة مقارنة بالمحاصيل التقليدية. أما بالنسبة للمستثمرين الكبار، فقد تحول إلى نشاط اقتصادي مربح يستحق التوسع.
غير أن هذا التحول طرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن لمجال يعاني من العطش أن يتحمل زراعات تستهلك هذه الكميات من المياه؟

أرقام تثير القلق
لا تبدو المخاوف التي يعبر عنها سكان الواحات بعيدة عن الواقع إذا ما نظرنا إلى بعض المؤشرات المرتبطة بالموارد المائية. فبحسب دراسة نشرتها مجلة Water Alternatives سنة 2023 حول التحولات الفلاحية بوادي درعة، ارتفع عدد الآبار الفلاحية في منطقة الفيجة من 344 بئراً سنة 2014 إلى 850 بئراً سنة 2019، فيما سجل مستوى المياه الجوفية تراجعاً تراوح بين 15 و40 متراً في عدد من المناطق خلال الفترة الممتدة بين 1980 و2020. وتشير الدراسة نفسها إلى عجز سنوي يناهز 5 ملايين متر مكعب في الفرشة المائية. وفي المقابل، تواصلت زراعة البطيخ الأحمر في التوسع، رغم أن الهكتار الواحد منها يحتاج إلى ما بين 5700 و9000 متر مكعب من المياه خلال الموسم الزراعي الواحد، وهي كميات كبيرة بالنسبة إلى منطقة لا تتجاوز التساقطات المطرية فيها في بعض السنوات سوى بضع عشرات من المليمترات.
(رابط الدراسة)
https://www.water-alternatives.org/index.php/alldoc/articles/vol16/v16issue1/693-a16-1-10/file?utm_source=chatgpt.com

الماء في الثقافة الواحية
بالنسبة لسكان الجنوب الشرقي، لا يمثل الماء مجرد مورد طبيعي. إنه جزء من الهوية والثقافة المحلية.
فالأعراف التقليدية المتعلقة بتوزيع المياه كانت تشكل نظاماً اجتماعياً متكاملاً ينظم العلاقات بين السكان. كما ارتبطت بالماء طقوس وممارسات جماعية حافظت لقرون على التوازن داخل المجال الواحي.
ومن أبرز مظاهر هذه الثقافة نظام “الخطارات”، وهي قنوات مائية تحت الأرض ابتكرها السكان لنقل المياه وتوزيعها بشكل عادل ومستدام.
لكن هذه الخطارات بدأت تتراجع أو تجف في عدد من المناطق نتيجة انخفاض مستوى المياه الجوفية وتوسع الاستغلال المكثف للموارد المائية.

بين التنمية والاستدامة
لا ينكر كثير من الفاعلين المحليين أهمية النشاط الفلاحي في توفير فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي. لكن السؤال المطروح اليوم يتعلق بطبيعة النموذج التنموي المناسب للمناطق الجافة.
فهل يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية دون استنزاف الموارد الطبيعية؟ وهل يمكن تشجيع الزراعات التصديرية دون المساس بحق الأجيال المقبلة في الماء؟
هذه الأسئلة أصبحت مطروحة بقوة في النقاش العمومي، خصوصاً بعد القرارات التي اتخذتها السلطات في بعض الأقاليم لتقنين زراعة البطيخ الأحمر والحد من توسعها.
غير أن عدداً من الفاعلين يعتبرون أن الحل لا يكمن فقط في المنع، إنما في توفير بدائل اقتصادية للفلاحين وتشجيع الزراعات الملائمة للخصوصية المناخية للمنطقة.

الواحة بين الحياة والموت
مع اقتراب غروب الشمس، عاد الحاج موحى إلى بئره الجافة. جلس قربها وهو يراقب ظلال النخيل المتيبس تمتد فوق الأرض المتشققة.
سألناه إن كان يعتقد أن الواحة يمكن أن تستعيد عافيتها يوماً ما.
صمت طويلاً قبل أن يجيب: “إذا عاد الماء، تعود الحياة”، ثم أضاف بصوت يكاد لا يُسمع “المشكل أن الماء حين يرحل، لا يرحل وحده.. يأخذ معه الناس والنخيل والذكريات.”
في الجنوب الشرقي للمغرب، لا تبدو أزمة البطيخ الأحمر مجرد نقاش حول محصول زراعي أو سياسة فلاحية، إنها قصة مجتمع بأكمله يعيش على إيقاع العطش، وواحات تحاول الدفاع عن حقها في البقاء، وسط معركة غير متكافئة بين منطق السوق ومنطق الطبيعة.
ومع حلول المساء، بينما كان الحاج موحى يغادر ببطء نحو منزله الطيني، ظل السؤال نفسه معلقاً فوق الآبار الجافة وحقول البطيخ الممتدة على أطراف الواحات: كم تبقى من الماء قبل أن تتحول هذه الحكاية كلها إلى ذكرى؟

تونس حين تتخالف التغيرات المناخية مع استنزاف المياه : صغار الفلاحين في مواجهة العطش

“لم يعد الخوف بالنسبة إلينا من سنوات الجفاف فقط، بل من أن نستيقظ ذات صباح فلا نجد قطرة ماء واحدة في آبارنا. نحن لم نطلب دعماً استثنائياً ولا امتيازات، فقط نريد أن نواصل العيش في أرض ورثناها عن آبائنا وأجدادنا. لكن كل سنة نخسر شجرة جديدة، ومحصولاً جديداً، وجاراً جديداً يغادر المنطقة بحثاً عن مورد رزق في مكان آخر.”

بهذه الكلمات المؤثرة استقبلنا عم علي أحد فلاحي منطقة سيدي عيش التابعة لولاية ڨفصة وتحديدا معتمدية ڨفصة الشمالية.
كان عم علي الفلاح السبعيني الذي يُظهر مع كل تفاعل حبه العارم للأرض والفلاحة، يتحدث بحزن عميق وهو يتفقد أشجار فستق ولوز أرهقها العطش وأتلف الجفاف جزءا بارزا من أغصانها.
لم يكن الرجل يتحدث بعفويته ومعرفته الفطرية عن خسارة موسم فلاحي فحسب إنما عن تحولات عميقة تهدد نمط حياة كامل تشكل عبر أجيال في هذه المنطقة الواقعة شمال ولاية قفصة على أطراف المجال الصحراوي التونسي.
خلال العقدين الأخيرين برزت ولاية قفصة وخاصة معتمديات قفصة الشمالية، باعتبارها إحدى أكثر المناطق التونسية التي تعيش تعقيدات الأزمة المائية.
ففي هذه الجهة تتداخل تداعيات التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية مع اختلالات إدارة المياه وتوزيعها، ضمن نموذج فلاحي يقوم على أنشطة عالية الاستهلاك للمياه ويستجيب بدرجة كبيرة لمتطلبات الاستثمار والإنتاج المكثف، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول استدامة الموارد المائية وقدرة المنظومات الحالية على التوفيق بين الحاجات الاقتصادية ومتطلبات الحفاظ على حق الأجيال القادمة في المياه.
خلال زيارات ميدانية متكررة قادتني إلى المنطقة على امتداد السنوات الماضية، بدا واضحاً أن ما تعيشه المنطقة يتجاوز تأثيرات مواسم الجفاف العابرة أو التقلبات المناخية الظرفية. فرغم التحسن النسبي الذي عرفه الموسم الحالي بفضل الأمطار الأخيرة، ما تزال الإشكالية الأساسية قائمة باعتبار أن أزمة المياه ذات طابع هيكلي عميق يرتبط بمنظومة إدارة الموارد المائية إضافة إلى التغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها البلاد دون استراتيجية وسياسات عمومية واضحة في مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة.

نموذج فلاحي قائم على استنزاف المياه وتهميش صغار الفلاحين

تقع ولاية قفصة في الجنوب الغربي التونسي، على مسافة تقارب 350 كلم من العاصمة تونس وتمتد ما بين السباسب العليا وهي بوابة الجنوب التونسي. يتميز مناخ المنطقة بمناخ شبه جاف إلى جاف تتسم أمطاره بالندرة والتذبذب من سنة إلى أخرى في حين تعرف درجات الحرارة ارتفاعاً كبيراً خلال فصل الصيف، حيث تتجاوز في بعض الفترات 45 درجة مئوية.
جعلت هذه الخصائص الطبيعية من الماء المورد الاستراتيجي الأول في الجهة، والعامل الحاسم لاستمرار النشاط الزراعي والاستقرار السكاني.
تتوفر ولاية قفصة على موارد مائية جوفية مهمة نسبياً مقارنة بطبيعتها المناخية، إذ تقدر بنحو 128 مليون متر مكعب سنوياً، إلى جانب سد سيدي جابر الذي تبلغ طاقته الاستيعابية حوالي 88.5 مليون متر مكعب. تضم الجهة كذلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي التي شكلت على امتداد عقود طويلة أساس الاقتصاد المحلي (الرعي) ومصدر رزق لآلاف العائلات.
تواجه هذه الموارد اليوم ضغوطاً متزايدة نتيجة تواتر سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات التساقطات، إضافة إلى التوسع في أنماط إنتاج فلاحية كثيفة الاستهلاك للمياه خاصة المائدة الجوفية من خلال الحفر العشوائي للآبار العميقة.
على امتداد العقدين الأخيرين، تحولت مناطق الوسط والجنوب التونسي إلى فضاء تتجلى فيه بوضوح تداعيات الاستغلال المكثف للموارد المائية الجوفية. فقد رافق التوسع في الزراعات السقوية الموجهة للتصدير تسارع غير مسبوق في وتيرة استنزاف الموائد المائية، ضمن نموذج إنتاجي حظي بدعم السياسات العمومية رغم كلفته البيئية المتزايدة. وفي المقابل، يجد صغار الفلاحين أنفسهم في مواجهة واقع أكثر هشاشة، حيث تتقلص الموارد المائية المتاحة باستمرار بينما تزداد حاجتهم إليها للحفاظ على إنتاجهم وتأمين مورد رزقهم، في معادلة تعكس اختلالاً متنامياً في توزيع الأعباء والمنافع المرتبطة باستغلال المياه.
لم تكن شهادة عم علي مجرد تعبير عن معاناة فردية أو تذمر من موسم فلاحي صعب، إذ عكست أزمة أوسع تعيشها الجهة منذ سنوات.

بالنسبة إلى كثير من فلاحي قفصة الشمالية لا ترتبط الأزمة بالجفاف، وحده وإنما أيضاً بطريقة استغلال الموارد المائية وتوزيعها بين مختلف المتدخلين في القطاع الفلاحي
تطرح هذه المسألة أسئلة جوهرية حول الخيارات الفلاحية المعتمدة في المناطق الجافة وشبه الجافة. فكل طن من المنتجات الفلاحية الموجهة للتصدير يحمل معه جزءاً من المخزون المائي المحلي الذي استغرق آلاف السنين للتشكل داخل الطبقات الجوفية. وفي جهة مثل قفصة، حيث تشكل المياه مورداً نادراً واستراتيجياً، تزداد أهمية التفكير في الكلفة البيئية الحقيقية لبعض الأنشطة الزراعية ذات البصمة المائية المرتفعة.
تزداد حدة هذه الإشكالية عند النظر إليها من زاوية “البصمة المائية”، أي كمية المياه اللازمة لإنتاج محصول معين. فالتَوسع في الزراعات السقوية الموجهة للتصدير لا يعني فقط تخصيص مساحات أكبر من الأراضي للإنتاج، وإنما يستوجب أيضاً استهلاك كميات هائلة من المياه الجوفية في مناطق تعاني أصلاً من ندرة الموارد المائية وتفاقم الإجهاد المائي بل وصلت إلى مرحلة الشح المائي حسب تصريح الخبير في التنمية والتصرف في الموارد وعضو المجلس العلمي لمرصد المياه (المنظمة المختصة في رصد الوضعية المائية في تونس) الدكتور حسين الرحيلي :

” ما تعيشه ولاية قفصة اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة جفاف ظرفية أو في تراجع التساقطات خلال السنوات الأخيرة، وإنما هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المائية والفلاحية التي لم تأخذ بعين الاعتبار محدودية الموارد الجوفية بالجهة. ويأتي ذلك في سياق وطني يتسم بتفاقم ندرة المياه، إذ دخلت تونس منذ سنوات مرحلة الفقر المائي، بعدما تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى ما دون عتبة 500 متر مكعب سنوياً، وهي العتبة المعتمدة دولياً لتصنيف البلدان ضمن خانة الفقر المائي. ويشير الرحيلي إلى أن القطاع الفلاحي يستحوذ على نحو 77% من الجهد المائي في تونس، أي مجمل الضغوط الناجمة عن استهلاك المياه واستغلالها، وهو ما يرتبط أساساً بالتوسع في الزراعات السقوية كثيفة الاستهلاك للمياه والموجهة للتصدير رغم محدودية قيمتها المضافة مقارنة بحجم الموارد التي يستنزفها. ويضيف أن هذا النموذج الإنتاجي أدى إلى ضغوط متزايدة على الموائد الجوفية في قفصة وغيرها من المناطق التونسية، حيث أصبح الاستغلال يفوق في عدد من المناطق قدرة الموارد على التجدد.
وفي المقابل، تنعكس تداعيات هذا الاستنزاف على الفلاحين والسكان المحليين، إذ يؤدي نقص مياه الري إلى صعوبة برمجة الزراعات الصيفية وتراجع الإنتاج، بما ينعكس على تزويد الأسواق بالخضر والغلال ويساهم في ارتفاع الأسعار، في حين يضطر عدد من الفلاحين إلى اللجوء إلى حفر الآبار أو تعميقها لتأمين حاجياتهم المائية، وهو ما يفاقم الضغوط على الموائد الجوفية ويعمق الأزمة القائمة.

في قفصة الشمالية لا ينظر صغار الفلاحين والسكان المحليين على حد الشواء إلى الجفاف باعتباره ظاهرة طبيعية فحسب، وإنما باعتباره نتيجة تفاعل معقد بين التغيرات المناخية وخيارات تنموية يرون أنها لم تراعِ خصوصيات المنطقة وحدود مواردها المائية.
يؤكد أيمن عميد المهندس الفلاحي ورئيس مرصد السيادة الغذائية والبيئية والذي يعرف جيدا الجهة
المنطقة كانت إلى وقت قريب، تُعرف بإنتاج وفير المحاصيل البطاطا والخضروات الموسمية والأشجار المثمرة مثل الفستق … وهو نمط فلاحي أصيل في المنطقة وضمن الموروث الفلاحي ومتناغم مع كل جوانب الجهة المناخية والمائية وحتى المعرفة التقليدية لصغار الفلاحين، غير أن المشهد الفلاحي شهد تحولات متسارعة خلال العقود الأخيرة مع توسع زراعات يعتبرها السكان المحليين أكثر استنزافاً للموارد المائية، على غرار الخس والطماطم والزيتون الإسباني… وهي زراعات موجهة في جزء منها إن لم نقل في أغلبها إلى الأسواق الخارجية، تزامن هذا النموذج الفلاحي غير الأصيل مع تراجع منسوب المياه وجفاف العديد من الآبار السطحية التي ظلت لعقود المصدر الرئيسي لري الأراضي الزراعية لصغار الفلاحين”.
إذن لا تقتصر خطورة وتداعيات هذه الأزمة على أوضاع الفلاحين الحاليين، بل تمتد إلى مستقبل الأجيال القادمة. استنزاف المخزونات المائية الجوفية اليوم يحدّ من الخيارات المتاحة أمام أبناء المنطقة غدا ويهدد استدامة النشاط الفلاحي وقدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغيرات المناخية. لذلك لم يعد الجدل حول المياه في قفصة الشمالية مرتبطاً بمجرد تقاسم مورد طبيعي محدود، بل أصبح مرتبطاً بمسألة العدالة بين الأجيال وبحق السكان، حاضراً ومستقبلا، في مورد يشكل أساس الحياة والتنمية والاستقرار.

وفي هذا السياق، تبدو أزمة المياه في قفصة الشمالية أكثر تعقيداً من كونها نتيجة لتذبذب التساقطات أو لفترات الجفاف المتعاقبة. إذ تعكس تصاعد التنافس على مورد حيوي تتزايد الضغوط عليه في ظل أنماط استغلال تثير تساؤلات بشأن العدالة والاستدامة.
تطرح بالتوازي هذه الوضعية إشكاليات أعمق تتعلق بالعدالة المائية والسيادة الغذائية وحوكمة الموارد الطبيعية، في وقت أصبحت فيه التغيرات المناخية واقعا ملموسا يفرض مراجعة شاملة للسياسات المائية والفلاحية في تونس.
تكشف بشكل واضح المعطيات المتعلقة بالبنية العقارية الفلاحية عن اختلالات هيكلية داخل القطاع، إذ لا تتجاوز مساحة أغلب المستغلات (الأراضي) الفلاحية خمسة هكتارات، في حين يستحوذ عدد محدود من كبار المستثمرين على جزء مهم من الأراضي الصالحة للزراعة وعلى نصيب وافر من الموارد المائية. وتبرز هذه الفوارق بوضوح في المناطق الداخلية، حيث يعتمد صغار الفلاحين أساساً على آبار سطحية محدودة العمق وسريعة التأثر بالجفاف، بينما يملك المستثمرون الأكبر إمكانات تتيح لهم استغلال الموائد المائية العميقة، بما يعمّق التفاوت في النفاذ إلى المياه والتجهيزات والاستثمارات العمومية.
يظهر اليوم بشكل واضح أن استمرار هذا النموذج الفلاحي سوف يؤدي عاجلا أو أجلا إلى تسريع وتيرة التصحر وتفاقم الهجرة الداخلية ونقص في المواد الفلاحية، خاصة في المناطق الواقعة ضمن الحزام شبه الجاف مثل ولاية قفصة. وفي هذا السياق يؤكد مُنسق مرصد المياه وعضو جمعية نوماد 08 أول منظمة تونسية مختصة في الدفاع عن الحق في الماء علاء المرزوقي أن :

البصمة المائية تكشف الكُلفة الخفية للمنتجات الفلاحية من خلال قياس حجم المياه المستهلكة لإنتاجها، وهو ما يجعل بعض الزراعات الموجهة للتصدير في ڨفصة أو الكثير من جهات البلاد من بين أكثر الأنشطة استنزافاً للموارد المائية في بلد يعاني من الفقر المائي. وعندما تُصدَّر هذه المنتجات إلى الأسواق الخارجية، فإن ما يغادر البلاد لا يقتصر على السلع الزراعية فحسب، وإنما يشمل أيضاً كميات كبيرة من “المياه الافتراضية” المستخرجة من الموائد الجوفية المحلية. ويطرح هذا الواقع إشكالاً يتعلق بالعدالة المائية والعدالة الاجتماعية، إذ تتحمل المناطق والسكان المحليون كلفة استنزاف الموارد وتداعيات ندرتها، بينما تتوزع المنافع الاقتصادية بصورة غير متكافئة بين مختلف الفاعلين”

البصمة المائية أو سجلات تصدير المياه وتفقير الأرض والفلاحين

إذن لا يُقاس أثر هذه الزراعات فقط بعَائدها الاقتصادي، وإنما أيضاً بحجم الضغط الذي تمارسه على المنظومات المائية المحلية، خاصة في بيئات هشة مائياً مثل قفصة، حيث يصبح توازن العلاقة بين الإنتاج والاستدامة أكثر حساسية وتعقيداً.

لا يمكن فهم أزمة المياه في عموما تونس وفي قفصة الشمالية مجال حديثنا دون التطرق إلى مفهوم “البصمة المائية” وهو المؤشر الذي يقيس كمية المياه المستهلكة لإنتاج سلعة أو محصول معين.
فبعض الزراعات الوافدة التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة تتطلب كميات كبيرة من المياه مقارنة بالموارد المتاحة في الجهة وهذا ما عبر عنه شهادات الفلاحة وبيانات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يعاني فلاحو منطقة قفصة الشمالية من أزمة مائية متفاقمة، في ظل اتهامات موجّهة إلى إحدى الشركات الناشطة بالجهة على خلفية شروع صاحبها منذ سنة 2008 في استغلال المائدة المائية عبر رخص وُصفت بغير القانونية، من خلال إنشاء أحواض ضخمة تُقدّر مساحة كل منها بهِكتار وملئها بشكل متواصل بالمياه، مما أدى إلى استنزاف متسارع للثروة المائية بالمنطقة، وفق ما أورده المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وأكد لنا عند حضورنا بالمنطقة عدد من فلاحي معتمديات زانوش والقصر والسند وسيدي عيش وقفصة الشمالية أنهم عبّروا طيلة سنوات عن رفضهم لما يعتبرونه تجاوزات تمارسها شركة تنشط بمنطقة الفج من معتمدية قفصة الشمالية، متخصصة في إنتاج الخس والطماطم، وذلك على خلفية استعمال رخص وُصفت بغير القانونية تتيح استغلال المائدة المائية منذ سنة 2008.
ويشير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن فلاحي قفصة الشمالية يعانون منذ انطلاق نشاط هذه الشركة من تفاقم هبوط منسوب المائدة المائية، نتيجة اعتمادها على زراعات مكثفة الاستهلاك للمياه، وفي مقدمتها الخس، وهو نشاط دخيل على المنظومة الفلاحية المحلية وموجّه أساساً للتصدير، يتميز ببصمة مائية مرتفعة تتطلب ضخاً متواصلاً للمياه على مدار الساعة. وقد انعكس هذا الاستنزاف على الوضع المائي بالجهة، حيث سجّل تراجعاً ملحوظاً في الموارد الجوفية.
أدى أيضا هذا الوضع، وفق المصدر ذاته، إلى اندثار عدد من الآبار السطحية، ما اضطر الفلاحين إلى الحفر إلى أعماق تتجاوز أحياناً 10 أمتار للحصول على المياه، الأمر الذي جعلهم يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين حاجيات الري، وتسبب في تراجع واضح في إنتاجهم الفلاحي خلال السنوات الأخيرة.
تُعدّ زراعة الخس والطماطم من الزراعات ذات البصمة المائية المرتفعة مقارنة بعدد من المحاصيل الحقلية الأخرى، خاصة عندما تُنتج في سياقات تعتمد على الري المكثف وفي مناطق تعاني من ندرة المياه. ووفق تقديرات منشورة في قواعد بيانات البصمة المائية التابعة لـ”شبكة البصمة المائية العالمية
” (Water Footprint Network)، فإن إنتاج كيلوغرام واحد من الخس يستهلك في المتوسط ما بين 130 و 250 لتراً من المياه، مع اختلاف القيم حسب المناخ ونوع التربة ونظام الري. أما الطماطم، وتتراوح بصمتها المائية بين نحو 180 و300 لتر لكل كيلوغرام في أنظمة الإنتاج التقليدية، وقد ترتفع في بعض السياقات الحارة والجافة التي تعتمد على المياه الجوفية.
تُظهر هذه الأرقام أن إدراج مثل هذه الزراعات في مناطق تعاني من إجهاد مائي مرتفع وهو الحال في منطقة ڨفصة، يطرح إشكالاً يتجاوز البعد الإنتاجي المُباشر، إذ يرتبط أيضاً بكلفة مائية غير مرئية يتم استنزافها من الموائد الجوفية. في حال توجيه هذا الإنتاج نحو التصدير، فإن هذه الكميات من المياه تُحتسب ضمن ما يُعرف بـ”المياه الافتراضية”، أي المياه المضمّنة في السلع المتداولة عبر الأسواق العالمية، بما يعكس انتقالاً غير مباشر للموارد المائية من مناطق الإنتاج إلى خارجها.

تبدو أزمة المياه في قفصة الشمالية، حين يُنظر إليها بعمق، أبعد من أزمة مناخية أو موسمية. إنها صورة تعكس تناقضات نموذج تنموي ظل يُقدّم الإنتاج المكثف على حساب الاستدامة، والمصالح الكبرى على حساب الفلاح الصغير، والعائد الاقتصادي الآني على حساب حق الأجيال المقبلة في مورد أساسي لا غنى عنه.

إن استمرار هذا النموذج دون مراجعة جذرية لن يُفضي إلا إلى تسريع وتيرة التصحر وتعميق موجات الهجرة الداخلية وتفكيك النسيج الاجتماعي في مناطق الهامش.

من طاطا وزاكورة إلى قفصة… الحكاية نفسها
في نهاية هذا الريبورتاج، وبين بئر جافة في طاطا أو زاكورة وحقول عطشى في قفصة، تتقاطع حكايتان تبدوان للوهلة الأولى منفصلتين، لكنهما ترويان القصة نفسها. فالحاج موحى في الجنوب الشرقي للمغرب وعم علي في الجنوب التونسي يعيشان على ضفتي حدود مختلفة، غير أن القلق الذي يسكنهما واحد، ماذا سيبقى للأبناء إذا استمر الماء في التراجع عاماً بعد آخر؟

ففي زاكورة وطاطا كما في قفصة، لا يتعلق الأمر بالماء وحده، إنما بمستقبل مجتمعات كاملة تشكلت حوله عبر أجيال. فحين تجف الآبار، لا تتراجع الزراعة فقط، وإنما تضعف أيضاً الروابط التي جمعت الناس بأرضهم وواحاتهم وقراهم. وبين منطق السوق وضغط التغيرات المناخية، يبقى السؤال مفتوحاً في المغرب وتونس معاً، كيف يمكن حماية حق الناس في الماء دون التضحية بحقهم في التنمية؟ وحتى يجد هذا السؤال جواباً، سيواصل فلاحون مثل الحاج موحى وعم علي مراقبة السماء والآبار في انتظار موسم أقل قسوة من سابقه.

تم إنجاز هذا العمل الصحفي المشترك في إطار مشروع «حقوق ومساواة» لمنظمة المادة 19

الاخبار العاجلة