بقلم جليلة بنونة
في وقت يضع فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله الصحة في صلب أولوياته، باعتبارها حقا دستوريا وضمانة أساسية لكرامة المواطن، يواصل الشعب المغربي متابعة تدخلاته و خطاباته بعين من الأمل والتقدير. فالملك لا يكتفي بالتوجيه، بل يضع خارطة طريق واضحة، آخرها ما جاء في خطاب افتتاح البرلمان يوم 11 أكتوبر 2024 حين أكد أن «خدمات الصحة والتعليم لا تحتمل الانتظار». غير أن المعضلة الكبرى تكمن في بعض المسؤولين المحليين والفاسدين الذين يفرغون هذه التوجيهات من مضمونها، ويشوهون صورة المستشفيات بسوء التسيير واللامبالاة، دون أن يعكسوا الإرادة الحقيقية للدولة ولا انتظارات المواطنين.
رغم الميزانية الضخمة التي تنفقها الدولة على الصحة العمومية، لا تزال جودة الخدمات في المستشفيات تعاني من اختلالات صارخة، تهدر حقوق المرضى وكرامتهم. فالأرقام الرسمية تشير إلى أن الإنفاق الصحي يصل إلى ما يعادل 7000 درهم سنويا لكل مواطن، لكن ما يعيشه المغاربة في مستشفيات أكادير والصويرة وتمارة والدار البيضاء والمحمدية وقلعة السراغنة و مدن أخرى يعكس واقعا بعيدا عن هذه الأرقام. فالمريض الذي يفترض أن يضمن له هذا الاستثمار خدمة صحية آمنة يجد نفسه في كثير من الأحيان وجها لوجه مع الإهمال، سوء الاستقبال، وغياب أبسط شروط العلاج.

خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت عدة مدن موجة من الاحتجاجات أمام المستشفيات الإقليمية والجهوية، كان أبرزها في أكادير والصويرة، حيث خرج المواطنون للتنديد بنقص الأطر الطبية ورداءة الخدمات. مشاهد مماثلة تكررت في تمارة وقلعة السراغنة عبر التعبير عن استيائهم مرات متكررة عبر وسائل التواصل الاجتماعي و أمام المستشفيات، جهات حقوقية و سياسية و إعلامية علت اصواتها عاليا تنديدا بالواقع الصحي المأزوم بقلعة السراغنة . حيث يقف المرضى لساعات طويلة بانتظار فحص بسيط، أو يضطرون لشراء الأدوية والمستلزمات من جيوبهم الخاصة،في حين يفترض أن تكون مضمونة و متاحة. و شبه غياب تام للأطر الصحية و عدم التزامهم بمواقيت العمل. أما في الدار البيضاء والمحمدية، فقد تضاعف الضغط على المرافق الصحية بسبب كثافة السكان، وهو ما جعل الفجوة بين الحاجيات الفعلية والخدمات المتوفرة أكثر وضوحا.
هذا التدهور المتواصل لا يعود إلى نقص الموارد المالية فقط، بل إلى خلل بنيوي في الحكامة والتسيير، حيث ما تزال بعض الممارسات المرفوضة تعشش داخل المستشفيات، من تدخلات غير مبررة لحراس الأمن الخاص في شؤون المرضى، إلى ابتزاز المواطنين تحت مسميات مختلفة. وهي سلوكيات لا علاقة لها بالتوجيهات الملكية ولا بما ينص عليه الدستور المغربي الذي يلزم المؤسسات العمومية بضمان الخدمة في إطار الجودة والمساواة.

كل هذه الاختلالات تثير استياء الرأي العام وتدفع المواطنين إلى الشارع للتعبير عن غضبهم، لكن في المقابل تبقى تدخلات الملك شاهدة على أن الإرادة السياسية العليا موجودة، وأن الطريق إلى الإصلاح ممكن. و افضل مثال لذلك ما وقع اليوم حين تكفل جلالته بالحالة الصحية للطفلة التي ظهرت في التظاهرات امام مستشفى أكادير. دليل على ان صوت المواطن مسموع و يُتفاعل معه. غير أن ما يعطل هذه الإرادة هو نفوذ فئة من الفاسدين الذين يختزلون القطاع الصحي في غنيمة شخصية، بينما يظل المواطن ينتظر حقه البسيط في العلاج.
إن ما تحتاجه المستشفيات المغربية اليوم ليس المزيد من المسرحيات السياسية التلميعية ولا الوعود، بل تفعيل صارم لما جاء في التوجيهات الملكية والدستور، من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان أن تصرف الموارد فعلا في تحسين جودة الخدمات. الإصلاح المطلوب ليس تقنيا فقط، بل أخلاقي بالأساس، يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات الصحية، ويؤكد أن المغرب قادر على أن يجعل من قطاع الصحة رافعة حقيقية للتنمية والكرامة الإنسانية، بعيدا عن عبث المفسدين ومصالحهم الضيقة.


