في خطوة حازمة طال انتظارها، أصدرت وزارة الداخلية منشورًا رسميًا يدعو ولاة وعمال المملكة إلى تنفيذ صارم لقرارات اقتطاع الأجور عن كل تغيب غير مبرر أو إضراب غير قانوني، في مسعى لإعادة الانضباط إلى الإدارة الترابية وضبط فوضى التسيير داخل الجماعات المحلية. توجيهات الوزارة جاءت بتعليمات مباشرة من وزير الداخلية، الذي شدد على أن التراخي لم يعد مقبولًا، وأن الوقت قد حان لتفعيل القوانين دون تردد.
المنشور لم يقتصر على دعوة شكلية، بل تضمن إجراءات عملية واضحة، تبدأ بجمع بيانات دقيقة حول الموظفين المتغيبين، وإرسالها بشكل دوري إلى المديرية العامة للجماعات الترابية من أجل تنفيذ الاقتطاعات. رسالة مباشرة إلى كل من اعتاد التغيب أو الإضراب دون سند قانوني: زمن الفوضى الإدارية قد ولى، والانضباط الوظيفي أصبح أولوية وطنية.
لكن الرسالة الأقوى في هذا التحرك الوزاري تتعلق بالفوضى العارمة في تعيينات الجماعات المحلية. فقد كشفت تقارير مقلقة عن تورط عدد من رؤساء الجماعات، خاصة في جهتي الدار البيضاء‑سطات والرباط‑سلا‑القنيطرة، في تعيين موظفين محسوبين على “الولاءات” في مناصب حساسة، دون أي احترام للكفاءة أو المعايير القانونية، ما تسبب في شلل إداري واختناق لمصالح المواطنين.
وزارة الداخلية لم تُخفِ غضبها من هذا الواقع، الذي وصفه المنشور بالعبثي، مشيرة إلى تجاوزات صريحة في تعيين موظفين من سلاليم دنيا لتسيير أقسام جوهرية مثل الجبايات، الرخص، وشؤون الممتلكات. هؤلاء، بحسب التوجيه، لا يملكون المؤهلات المطلوبة، ومع ذلك تُعهد إليهم مهام أكبر من طاقاتهم بكثير، مما يؤدي إلى تراكم الأخطاء وتعطيل مصالح المرتفقين.
وفيما يواصل بعض رؤساء الجماعات ممارسة نوع من “التحكم الإداري” خارج إطار القانون، أكدت وزارة الداخلية أن عهد التساهل قد انتهى، وأن كل تجاوز ستكون له تبعات مباشرة، سواء على مستوى المراقبة أو من خلال التدخل لفرض احترام القانون والهيكلة الإدارية السليمة.
هذا التوجه الحازم يأتي في سياق ارتفاع غير مسبوق في عدد أيام الإضرابات والتغيبات خلال السنة الماضية، ما جعل الإدارة الترابية تفقد كثيرًا من فعاليتها، وخلق نوعًا من الاحتقان بين الموظفين الملتزمين وزملائهم المتقاعسين، وبين المواطنين الغاضبين والإدارات المشلولة.
اليوم، ترسل وزارة الداخلية رسالة صريحة: لا حماية للمخالفين بعد الآن، ولا حصانة للمتغيبين أو المستهترين. كل موظف سيُحاسب على حضوره وغيابه، وكل مسؤول جماعي سيتحمل مسؤولية اختياراته وتعييناته. إنها بداية معركة حقيقية من أجل كرامة الإدارة وخدمة المواطن، عنوانها: الانضباط أولًا، والكفاءة قبل الولاء

