بقلم: مصطفى مجبر
وأنا أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، توقفت عند مشهد أصبح يتكرر بكثرة هذه الأيام: سيل من التهاني والتبريكات، صور منشورة، تدوينات احتفالية، وتعليقات توحي وكأن أصحابها لم يحصلوا فقط على تزكيات أحزابهم لخوض الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، بل حسموا الانتخابات ونالوا مقاعدهم تحت قبة البرلمان!
«مبروك النائب»، «مبروك المقعد»، «نائب الأمة القادم»… وغيرها من العبارات التي تتقاطر بمجرد الإعلان عن اسم مرشح حصل على تزكية حزبية.
لكن، مهلاً قليلاً…
التزكية ليست انتخاباً، والترشيح ليس فوزاً، وصورة التهنئة لا تعوض صوت المواطن.
صحيح أن الحصول على تزكية حزب سياسي يمثل مرحلة مهمة في المسار الانتخابي، وقد يكون ثمرة سنوات من العمل السياسي أو التنظيمي، لكنه في نهاية المطاف لا يعدو أن يكون تذكرة للولوج إلى المنافسة، وليس شهادة تضمن الوصول إلى البرلمان.
فالذي يمنح التزكية هو الحزب، أما الذي يمنح المقعد فهو المواطن.
وبين قرار الحزب وقرار الناخب، توجد مسافة طويلة اسمها الحملة الانتخابية، الحصيلة، البرنامج، الثقة، المصداقية، ثم صندوق الاقتراع.
المثير في الأمر أن بعض الاحتفالات الافتراضية أصبحت تمنح المرشح ألقاباً قبل أوانها، وكأن صناديق الاقتراع مجرد إجراء شكلي، وكأن المواطن سيكتفي بدور المتفرج على منافسة حُسمت نتائجها مسبقاً في صفحات «فيسبوك»!
والحال أن انتخابات 2026، مهما اختلفت القراءات والتوقعات، ستظل في النهاية امتحاناً حقيقياً للجميع. امتحاناً للمرشحين الذين سيطلبون أصوات المواطنين، وللأحزاب التي ستقدم أسماءها، وللناخب أيضاً الذي يملك الكلمة الأخيرة.
قد يحصل شخص على التزكية، وتُقام له الاحتفالات وتُكتب عنه عشرات التدوينات، ثم يكتشف يوم إعلان النتائج أن «الواقع الانتخابي» لا يشبه كثيراً «الواقع الافتراضي».
وقد يكون هناك مرشح يعمل بصمت، دون ضجيج أو استعراض مبكر، ليجد نفسه في النهاية متقدماً لأن الرهان الحقيقي لم يكن على عدد صور التهاني، بل على حجم الثقة التي استطاع بناءها وسط المواطنين.
لذلك، ربما نحتاج جميعاً إلى إعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي.
نهنئ من حصل على التزكية، نعم… لكن لا نمنحه المقعد قبل أن يقول المواطن كلمته.
فالديمقراطية لا تُحسم بالتعليقات، والنيابة البرلمانية لا تُمنح في منشور، والمقاعد لا توزع في حفلات التهاني.
ما حصل عليه المرشح اليوم هو تزكية حزبية، أما التزكية الحقيقية التي لا تعوضها أي صورة ولا أي تهنئة، فموعدها مع صناديق الاقتراع.
إلى ذلك الحين…
مبروك التزكية، أما المقعد، فدعوه لصندوق الاقتراع… وللمواطن الذي لم يقل كلمته بعد.
مصطفى مجبر

