يونس لكحل
لم تعد المعاناة مجرد شكوى عابرة في أزقة وشوارع مدينة تيسة، بل تحولت إلى واقع يومي مرير يطبع حياة الساكنة التي أصبحت تئن تحت وطأة النفايات المتراكمة التي باتت تحاصر البيوت والمحاور الرئيسية، في ظل وضع بيئي مزرٍ يسير نحو الأسوأ يومًا بعد يوم، ليصبح شعار الإحباط هو السائد، لا حياة لمن تنادي، حيث لم يعد المشهد العام يحتمل التجميل جراء حاويات الأزبال القليلة الممتلئة والغير موزعة بشكل جيد ، و الواقع المشاهد للنفايات المنزلية المتناثرة هنا وهناك والتي شكلت مع مرور الوقت نقطًا سوداء مشوهة للمنظر العام ومحبطة للنفوس، فالرغبة في استنشاق هواء نقي أصبحت حلمًا بعيد المنال للأهالي بعد أن عوّضته روائح كريهة تزكم الأنوف وتخترق نوافذ المنازل رغماً عن أصحابها، ناهيك عن أن هذا الوضع الكارثي لم يتوقف عند حدود تشويه الجمالية العمرانية بل تعداه ليمس سلامة المواطنين بشكل مباشر عبر الانتشار المخيف للحشرات والقوارض كالذباب والبعوض والجرذان والكلاب الضالة التي وجدت في هذه التجمعات مرتعًا خصبًا للتكاثر مما يهدد بنقل الأمراض والأوبئة ويقض مضجع الأسر خوفاً على صحة أطفالهم ومسنيهم الذين باتوا عرضة لأمراض الجهاز التنفسي والحساسية، ناهيك عن عرقلة حركة السير في بعض الأحياء التي تجاوزت فيها الأزبال الرصيف لتبتلع أجزاء من الطريق العام مصعبة تنقل الراجلين وأصحاب المركبات على حد سواء، وأمام هذا التردي الخطير لم تقف الساكنة مكتوفة الأيدي بل تعالت أصوات الشكاوى ونُظمت العرائض وضجت منصات التواصل الاجتماعي بصور توثق تيسة وهي تغرق في زبالتها وسط إحساس عارم بالإقصاء والتهميش، خصوصاً أن المواطنين يؤدون واجباتهم الجبائية بانتظام دون التمتع بأبسط حقوق المواطنة البيئية الكريمة، والمرارة الأكبر لا تأتي من تراكم النفايات الفجائي فحسب بل من سياسة الآذان الصماء التي تنهجها الجهات المعنية بتدبير الشأن المحلي إذ لم تجد النداءات المتكررة لرفع هذا الضرر أي تفاعل جدي وكأن صحة المواطن وكرامته باتت في مؤخرة الأولويات مما خلف حالة من الإحباط والغضب العارم بين السكان، وما وصلت إليه تيسة اليوم يسائل بالدرجة الأولى المجلس الجماعي والمكلفين بتدبير قطاع النظافة بسبب غياب الحاويات الكافية وعدم انتظام شاحنات الجمع وغياب استراتيجية واضحة لإعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي، ورغم أن المسؤولية تظل مشتركة من حيث ضرورة تحلي بعض المواطنين بالوعي واحترام أوقات وأماكن رمي النفايات إلا أن غياب البنية التحتية الأساسية والتدبير الحازم والصارم من طرف المسؤولين يظل هو المسبب الرئيسي وراء هذا المشهد القاتم…
والحقيقة المرة الآن ان تيسة اليوم ليست بحاجة إلى وعود شفوية جديدة أو مسكنات تخديرية مؤقتة بل هي بحاجة ماسة إلى تدخل ميداني وعاجل يعيد للمدينة كرامتها البيئية ويقطع مع هذه العشوائية عبر توفير الإمكانيات اللوجستيكية اللازمة وتغليب المصلحة العامة والاستماع الحقيقي لصرخات المواطنين قبل أن تتحول هذه النقط السوداء إلى كارثة صحية لا تحمد عقباها، فهل من مجيب يوقف نزيف تيسة البيئي أم سيبقى صدى صوت الساكنة يتردد في وادٍ سحيق دون مجيب…
إقليم تاونات : تيسة بين مطرقة التهميش وسندان التلوث، الأزبال تحاصر الأحياء وإستياء عارم من الساكنة

