جليلة بنونة
“السماوي… الله يداوي أصحاب الحال.”
عبارة شعبية قديمة ما زالت تتردد على ألسنة المغاربة كلما وقع شخص ضحية خدعة يصعب تفسيرها. وهي ليست مجرد لازمة في أغنية شعبية متداولة، بل تختزل ظاهرة اجتماعية رافقت المجتمع المغربي لعقود، قبل أن تتطور اليوم إلى أساليب احتيالية أكثر تعقيدا.
في الذاكرة الشعبية المغربية، يقترن “السماوي” بكل عملية نصب تبدو غريبة أو يصعب على الضحية تفسيرها. غير أن الحقيقة لا تتعلق بقدرات خارقة أو قوى غيبية، وإنما بمهارة في التأثير على الإنسان واستغلال نقاط ضعفه النفسية.
ويرتبط هذا المصطلح، في الذاكرة الشعبية، بمرحلة كانت فيها الحلقة فضاء بارزا للفرجة الشعبية، حيث كان بعض أصحابها يقدمون عروضا تقوم على الإيهام وإثارة الدهشة، فيوهمون الحاضرين بمعرفة ما يخفونه أو بالتنبؤ ببعض الوقائع، اعتمادا على سرعة الملاحظة، وخفة اليد، وقوة الإقناع. وكانت تلك العروض تقدم أساسا في إطار الترفيه، غير أن بعض المحتالين استلهموا عددا من هذه الأساليب ووظفوها خارج فضاء الفرجة لتحقيق أغراض احتيالية. ومنذ ذلك الحين، تغيرت الوسائل، لكن الفكرة بقيت واحدة، استغلال نقاط ضعف الإنسان للوصول إلى ماله أو مصالحه.
يمكن اعتبار ما يسمى شعبيا بـ”السماوي” مجموعة من أساليب التأثير والخداع النفسي، التي تعتمد على استغلال الثقة والخوف والطمع والحاجة العاطفية، بينما تمثل صوره الحديثة، خاصة في البيئة الرقمية، أحد أبرز تطبيقات ما يعرف بالهندسة الاجتماعية. فالمحتال لا يقتحم الأبواب بالقوة، بل يدخل من الباب الذي يفتحه له الضحية بنفسه.
ولتحقيق ذلك، يستغل المحتالون المعتقدات المرتبطة بالخرافة والسحر والغيبيات، ويوهمون ضحاياهم بامتلاك قدرات استثنائية، بينما يعتمدون في الواقع على الملاحظة الدقيقة، وجمع المعلومات، وقراءة سلوك الضحية، واستثمار تلك المعطيات لإقناعه بقدراتهم المزعومة. وتزداد فرص نجاح هذه الأساليب عندما يكون الشخص في وضعية هشاشة نفسية أو اجتماعية، كالمرض، أو الضائقة المالية، أو المشاكل الأسرية، أو البحث عن عمل.
واليوم، لم يعد “السماوي” يقتصر على أساليب النصب التقليدية، بل أصبح يشمل الاحتيال عبر الإنترنت، وانتحال الصفات، والحسابات الوهمية، والرسائل الإلكترونية الاحتيالية، واستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي والفيديوهات المفبركة، مما جعل الجريمة أكثر احترافية واتساعا.
ولا تعد هذه الأفعال مجرد حيل شعبية، بل قد تشكل جرائم نصب أو احتيال أو انتحال صفة أو استعمال وسائل تدليسية، بحسب الوسائل المستعملة والنتائج المترتبة عنها، إذ إن القانون لا يعاقب على اسم “السماوي”، وإنما على الأفعال الاحتيالية التي تحمل الغير على تسليم مال أو حق باستعمال وسائل الخداع والتدليس.
ولأن أساليب الاحتيال تتطور باستمرار، فإن مواجهتها لا تعتمد على القانون وحده، بل تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني، عبر ترسيخ التفكير النقدي، ونشر الوعي، وتشجيع الضحايا على التبليغ، إلى جانب مواصلة تطوير وسائل مكافحة الجرائم الاحتيالية، خاصة في الفضاء الرقمي.
لقد تغيرت الأزمنة، لكن “السماوي” لم يختفي ، بل غير وسائله فقط. كان بالأمس يرتبط بخدع تمارس في فضاءات الفرجة الشعبية، واليوم قد يصل إلى ضحاياه عبر شاشة هاتف. وبين الماضي والحاضر تبقى الحقيقة واحدة، كلما ارتفع وعي المجتمع، ضاقت مساحة الخداع، وفقد المحتال أهم أسلحته، وهي ثقة الضحية. فالوعي هو خط الدفاع الأول، والقانون هو الحصن الذي يحمي المجتمع من جرائم الاحتيال والنصب.

