بقلم:ذ.مصطفى مجبر
بين سباق محموم نحو التزكيات، وحصيلة يراها كثير من المواطنين دون مستوى التطلعات، يظل السؤال مطروحًا: هل يبدأ الإصلاح السياسي من صناديق الاقتراع أم من داخل الأحزاب.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود إلى الواجهة المشهد نفسه الذي ألفه المغاربة منذ سنوات. الوجوه ذاتها، الأسماء نفسها، والخطابات نفسها، وكأن الزمن السياسي في هذا البلد توقف عن إنتاج نخبة جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطن.
في جهة فاس مكناس، كما في جهات أخرى، بدأت حرارة الصراع على التزكيات البرلمانية ترتفع بشكل لافت. سباق محموم داخل الأحزاب، وتحالفات في الكواليس، وحسابات انتخابية دقيقة… لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين كانت هذه الحماسة طيلة الولاية الانتدابية؟ وأين كانت هذه الوجوه حين كان المواطن ينتظر الدفاع عن قضاياه، وتتراكم الملفات التنموية، وتتسع فجوة الثقة بين المنتخب والناخب؟
المفارقة أن عدداً ممن يتنافسون اليوم على التزكيات سبق أن تقلدوا مسؤوليات مختلفة؛ في البرلمان، أو مجالس الجهات، أو الجماعات الترابية، أو الغرف المهنية، أو النقابات. غير أن حصيلة الكثير منهم، في نظر الرأي العام، لا تزال محل نقاش وانتقاد، بينما يبدو أن المستفيد الأكبر من التجربة السياسية كان في أحيان كثيرة هو السياسي نفسه، لا المجال الترابي الذي يمثله، ولا المواطن الذي منحه صوته.
المواطن المغربي لم يعد ذلك الناخب الذي تُستمال إرادته بالشعارات الرنانة. لقد أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على المقارنة بين الوعود والنتائج، وبين الخطابات والواقع. خمس سنوات كافية ليحكم الناس على من خدمهم ومن اكتفى بالظهور في المناسبات والانتخابات.
ومن هنا يبرز سؤال أكبر من كل الحسابات الحزبية: كيف يمكن إقناع المواطنين بعدم العزوف عن التصويت، وبالمشاركة المكثفة في صناديق الاقتراع لقطع الطريق على من يعتبرونهم غير جديرين بالثقة، إذا كانت الأحزاب نفسها تعيد تقديم الوجوه ذاتها، وكأن المغرب عقم عن إنجاب كفاءات جديدة، وشباب قادر على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية؟
إن تجديد النخب لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة ديمقراطية. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بانتظام الانتخابات، وإنما أيضاً بقدرة الأحزاب على تجديد قياداتها، وفتح المجال أمام الكفاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بتحويل التزكية إلى امتياز يتكرر مع كل محطة انتخابية.
المغاربة اليوم لا يبحثون عن مرشحين يجيدون إدارة الحملات الانتخابية، بل عن مسؤولين يجيدون إدارة الشأن العام. ولا ينتظرون صوراً جديدة على الملصقات، بل يريدون نتائج ملموسة في التعليم، والصحة، والشغل، والبنيات التحتية، والعدالة المجالية.
ويبقى السؤال الذي سيحسمه الناخب يوم الاقتراع: هل ستستوعب الأحزاب رسالة الشارع وتغامر بضخ دماء جديدة، أم ستعيد إنتاج الوجوه نفسها، لتعود بعدها إلى التساؤل عن أسباب العزوف الانتخابي؟

