جليلة بنونة
في كل ظهور سياسي جديد، يبدو أن عبد الإله بنكيران يحرص على صناعة “الحدث” أكثر من تقديم “الموقف”. فبدلا من الاكتفاء بانتقاد الحكومة، يرفع سقف خطابه إلى أقصى حد، يتحدث عن فقدان الثقة في الأحزاب والبرلمان والحكومة، ويتهم أصحاب المال والنفوذ بالتحكم في القرار السياسي، ويهاجم خصوما سياسيين بأوصاف لاذعة، ويوجه رسائل مباشرة إلى شخصيات نافذة، مستعملا لغة شعبية وتعابير صادمة تضمن انتقال تصريحاته فورا إلى صدارة العناوين ومنصات التواصل الاجتماعي.
هذا التكرار اللافت للتصريحات المثيرة يجعل كل خرجاته تتحول إلى مادة إعلامية بحد ذاتها، حيث ينشغل الرأي العام بالعبارات المستفزة أكثر من مناقشة مضمون القضايا التي يثيرها. إنها مقاربة تجعل الجدل هو المنتج السياسي الأول، بينما تتراجع البرامج والحلول إلى الهامش، وهو ما يدفع إلى قراءة هذا الخطاب في ضوء نظريات الاتصال السياسي الحديثة، بعيدا عن ردود الفعل الآنية.
في علم الاتصال السياسي، يعرف هذا النمط باسم “سياسة الاستفزاز” أو “التسويق عبر الجدل” (Provocative Political Communication)، وهو أسلوب يقوم على إطلاق تصريحات صادمة أو مثيرة للغضب من أجل احتلال الفضاء الإعلامي وفرض موضوع النقاش. فكلما ارتفع منسوب الجدل، زادت التغطية الإعلامية، وارتفعت نسب التفاعل على المنصات الرقمية، وأصبح صاحب التصريح محور النقاش العام، حتى وإن انقسمت الآراء حوله.
وتقوم هذه المقاربة على آليات معروفة، أبرزها التسويق عبر الجدل، وطعم الغضب (Rage Bait) الذي يستثمر في ميل الجمهور إلى مشاركة المحتوى المثير للانفعال، إضافة إلى الاستقطاب السياسي الذي يحشد الأنصار عبر خلق مواجهة دائمة بين “نحن” و”هم”، فضلا عن المسرحة السياسية التي تجعل الأداء الخطابي والاستعراض الإعلامي يتقدمان أحيانا على النقاش البرامجي.
ومن خلال تتبع خرجات بنكيران الأخيرة، يصعب تجاهل هذا النمط المتكرر، فكل تصريح يبدو مصاغا بطريقة تضمن إثارة ردود فعل واسعة، وكأن الهدف ليس فقط توجيه رسالة سياسية، بل أيضا دفع الجميع إلى الحديث عنها. إنها مقاربة اتصالية ذكية من حيث قدرتها على خطف الأضواء، إذ تجعل وسائل الإعلام ومنصات التواصل تؤدي، من حيث لا تشعر، دورا في إعادة إنتاج الخطاب ونشره على نطاق واسع.
غير أن هذه “الماكيافيلية الاتصالية” تحمل وجها آخر. فالاعتماد المستمر على الإثارة قد ينجح في فرض الحضور الإعلامي، لكنه قد يحول السياسة إلى سلسلة من الصدمات الكلامية، ويختزل النقاش العمومي في ردود الأفعال والانفعالات، بدل أن ينقله إلى مستوى التنافس حول الحلول والبرامج. ومع مرور الوقت، قد يفقد الخطاب الاستفزازي عنصر المفاجأة، ويتحول إلى أسلوب متوقع يستهلك نفسه بنفسه.
وتؤكد دراسات في الاتصال السياسي أن المحتوى المثير للغضب يحقق بالفعل انتشارا رقميا كبيرا، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى رصيد انتخابي دائم. فالناخب قد يتفاعل مع التصريح، لكنه يحاسب في النهاية على القدرة على الإقناع، وجودة المشروع السياسي، والبدائل الواقعية التي تمس حياته اليومية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل يكفي احتلال العناوين اليومية لصناعة الثقة؟ أم أن المواطن المغربي، المثقل بملفات المعيشة والتشغيل والتعليم والصحة، أصبح يبحث عن خطاب أقل صخبا وأكثر قدرة على تقديم حلول عملية؟ فالمعركة الانتخابية لا تحسم دائما بمن يثير أكبر قدر من الجدل، بل بمن يستطيع تحويل الاهتمام الإعلامي إلى ثقة سياسية مستدامة.

