احتضنت مدينة أزيلال، يوم الخميس 18 يونيو الجاري، أشغال الندوة العلمية الدولية السادسة والخمسين التي نظمتها مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام، تحت شعار: “العلماء والصلحاء: من التلقي العلمي إلى السلوك التربوي والإصلاح المجتمعي”، تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله
وشكل هذا اللقاء العلمي مناسبة جمعت ثلة من العلماء والباحثين والمفكرين من داخل المغرب وخارجه، بحضور عامل صاحب الجلالة على إقليم أزيلال السيد حسن الزيتوني، وشيخ الطريقة البصيرية، إلى جانب عدد من المسؤولين والمهتمين بالشأن العلمي والثقافي.
وفي إطار هذه التظاهرة العلمية، قدم الدكتور زكرياء بوسحاب، باحث في قضايا الأسرة المعاصرة والوسائل البديلة لفض المنازعات، مداخلة بعنوان: “الزوايا الصوفية والعدالة التصالحية بالمغرب: دراسة في الوساطة الأسرية والاجتماعية”، سلط خلالها الضوء على أحد الأدوار الاجتماعية العميقة التي اضطلعت بها الزوايا الصوفية بالمغرب، باعتبارها فضاءات للتربية والتكوين والإصلاح المجتمعي.
وانطلق الدكتور بوسحاب من فكرة مركزية مفادها أن استحضار تجربة الزوايا في سياق العدالة التصالحية لا يعني وجود تطابق بين الممارسة التاريخية للزوايا والمفهوم القانوني الحديث للعدالة التصالحية، وإنما يكشف عن تقاطعات مهمة على مستوى المقاصد والوظائف الاجتماعية.
وأوضح أن الوساطات التي قامت بها الزوايا الصوفية، وإن اختلفت من حيث المرجعية والمصطلح وآليات الاشتغال، فإنها التقت مع فلسفة العدالة التصالحية في غاية أساسية تتمثل في فض النزاعات، وإصلاح ذات البين، وتقريب وجهات النظر، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف، بما يحفظ استقرار الأسرة وتماسك المجتمع.
وأكد المتدخل أن العلماء والصلحاء لم يكونوا عبر التاريخ مجرد ناقلين للمعرفة أو مؤطرين للسلوك الفردي، بل اضطلعوا بأدوار اجتماعية واسعة جعلتهم فاعلين في معالجة القضايا المجتمعية، ونشر ثقافة الإصلاح والتسامح والتوافق، وهو ما جعل من الوساطة إحدى تجليات الحضور العملي للقيم الصوفية في المجتمع المغربي.
كما أبرزت المداخلة أن تجربة الزوايا يمكن قراءتها ضمن ثلاثة مستويات متكاملة؛ أولها المستوى التأسيسي المرتبط بجذور الإصلاح والصلح في المرجعية الدينية والثقافة المغربية، وثانيها المستوى التوصيفي الذي يرصد أدوار الزوايا في تدبير العلاقات الاجتماعية وحل النزاعات، وثالثها المستوى التوظيفي الذي يستثمر هذه التجربة في ضوء التحولات المعاصرة ومفاهيم العدالة التصالحية والوساطة الأسرية.
وأشار الدكتور بوسحاب إلى أن الوساطة الأسرية والاجتماعية في المغرب ليست مجرد آلية إجرائية لتسوية الخلافات، بل هي امتداد لثقافة مجتمعية متجذرة تقوم على الحكمة، والتسامح، والتشاور، وتقديم منطق الإصلاح على منطق الخصومة.
وقد لقيت المداخلة اهتماما من المشاركين، باعتبارها تفتح مجالا علميا لقراءة التراث الإصلاحي للزوايا المغربية من منظور معاصر، يربط بين الذاكرة التاريخية وحاجات المجتمع الحديثة في مجال الوقاية من النزاعات وتعزيز السلم الاجتماعي.
واختتمت أشغال الندوة بالتأكيد على أهمية مواصلة البحث في أدوار العلماء والصلحاء في بناء الإنسان وترسيخ قيم الاعتدال والإصلاح، مع رفع برقية ولاء وإخلاص إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.


