ما وقع خلال تظاهرة “الترايل” بإقليم إفران لا يمكن اعتباره مجرد سوء تفاهم عابر مع الصحافة المحلية، بل يكشف عن عقلية ما زالت تنظر إلى الإعلام المستقل باعتباره مصدر إزعاج يجب تحييده بدل اعتباره شريكاً في إنجاح أي حدث يراد له أن يكتسب المصداقية والإشعاع.
الغريب أن بعض المنظمين يتحدثون كثيراً عن الترويج للسياحة والتنمية الرياضية، لكنهم يصابون بحساسية مفرطة بمجرد ظهور صحافي محلي يحمل كاميرا أو دفتراً لتدوين الملاحظات. وكأن المشكلة ليست في التغطية الإعلامية، بل في احتمال طرح أسئلة لا يرغب البعض في سماعها.
فأي تظاهرة تؤمن بنجاحها لا تخشى الصحافة. وأي مشروع يثق في طريقة تدبيره لا ينزعج من عدسة مستقلة. أما عندما يصبح المراسل المحلي غير مرحب به، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو: ما الذي لا يريد المنظمون أن يراه الناس؟ ولماذا هذا التوجس من إعلام يعرف المنطقة ويعيش تفاصيلها اليومية أكثر من أي جهة أخرى؟
وفي المقابل، يجمع عدد من المتتبعين للشأن المحلي بإقليم إفران على أن العلاقة بين السلطات الإقليمية ووسائل الإعلام ظلت خلال السنوات الأخيرة قائمة على التواصل والانفتاح والاحترام المتبادل. فالإدارة الترابية بالإقليم تدرك أهمية الصحافة الجادة في مواكبة الأوراش التنموية ونقل المعلومة إلى الرأي العام، كما أن مختلف اللقاءات والأنشطة الرسمية كانت في الغالب مفتوحة أمام الإعلاميين للقيام بواجبهم المهني في ظروف عادية. لذلك فإن أي ممارسات تروم التضييق على الصحافة أو التعامل معها بمنطق الانتقائية لا تنسجم مع الدينامية التي يسعى الإقليم إلى ترسيخها، ولا مع الرؤية التي تجعل من الإعلام شريكاً في إبراز مؤهلات إفران وتعزيز إشعاعها السياحي والاقتصادي والثقافي.
الأكثر إثارة للاستغراب أن الصحافة المحلية كانت دائماً في الصفوف الأولى للتعريف بمؤهلات إفران وتسويق صورتها السياحية، وغالباً دون مقابل. وعندما يتعلق الأمر بتظاهرة تستفيد من المجال الترابي وصورته وسمعته، يصبح بعض ممثلي هذه الصحافة فجأة أشخاصاً غير مرغوب فيهم. إنها مفارقة تكشف حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة على الأرض.
ثم أين هو الجمهور الذي يفترض أن يكون المستفيد الأول من مثل هذه التظاهرات؟ وأين هي الدينامية الشعبية التي عادة ما ترافق الأحداث الكبرى؟ أسئلة يرددها كثير من المتابعين الذين كانوا ينتظرون تظاهرة مفتوحة على محيطها، لا نشاطاً يبدو وكأنه يدور داخل دائرة ضيقة لا تحب كثيراً الأعين الخارجية.
إن احترام الصحافة ليس منّة من أحد، بل جزء من قواعد الشفافية الحديثة. والتعامل الانتقائي مع الإعلام يبعث برسائل سلبية أكثر مما يقدم أجوبة. فحين يُفتح الباب للبعض ويُغلق في وجه البعض الآخر، يصبح الحديث عن الانفتاح مجرد شعار للاستهلاك.
اليوم، لا تحتاج إدارة الترايل إلى تبرير نجاح الحدث بقدر ما تحتاج إلى تفسير موقفها من الصحافة المحلية. لأن الحدث الذي يرحب بالتصفيق فقط ويرفض الأسئلة، يتحول إلى عملية تواصل مغلقة أكثر منه تظاهرة عمومية يفترض أنها تخدم الإقليم وساكنته وتسهم في تعزيز إشعاعه.
وإلى أن تخرج الإدارة بتوضيح مقنع، سيبقى السؤال معلقاً: لماذا كل هذا الانزعاج من صحافة محلية لم تطلب سوى القيام بعملها؟ ولماذا يبدو أن بعض المنظمين يخشون الكلمة الحرة أكثر مما يخشون الانتقادات التي يثيرها سلوكهم تجاه الإعلام؟ وهل أصبح الصحافي المحلي، الذي ظل لسنوات يروج لصورة إفران ومؤهلاتها، مصدر قلق أكبر من أي تحديات أخرى تواجه التظاهرة؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة، لأن الشفافية لا تُقاس بعدد الشعارات المرفوعة، بل بمدى القدرة على تقبل الرقابة المجتمعية والإعلامية والانفتاح على الرأي الآخر مهما كان مزعجاً.
غيل دير عندما تخاف إدراة المهرجان.


