منصات مدفوعة وضمائر مؤجرة: كيف تحول الأبواق الانتخابية والذباب الإلكتروني النقاش السياسي إلى سوق للتضليل وتكميم حرية التعبير في ظل دستور 2011

منصات مدفوعة وضمائر مؤجرة: كيف تحول الأبواق الانتخابية والذباب الإلكتروني النقاش السياسي إلى سوق للتضليل وتكميم حرية التعبير في ظل دستور 2011
جليلة بنونة
جليلة بنونة

جليلة بنونة

في كل موسم انتخابي يظهر نوع من الضجيج لا يشبه النقاش السياسي الطبيعي. أصوات ترتفع فجأة تدافع بشراسة عن أشخاص أو مشاريع دون أن تقدم مضمونا حقيقيا. ليس لأن أصحابها مقتنعون بل لأنهم اختاروا أن يجعلوا من الكلمة سلعة، تشترى وتباع بحسب الجهة التي تدفع أكثر.

المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد. حين يصبح الرأي المأجور حاضرا بقوة يختفي النقاش الجدي حول البرامج والسياسات، ويستبدل بحملات تشويه وتلميع. يتم تضخيم إنجازات عادية وتجاهل اختلالات واضحة وكأن المطلوب ليس إقناع المواطن بل إرباكه ودفعه إلى فقدان الثقة في كل شيء.

في الفضاء الرقمي تتجلى الصورة بشكل أوضح. حسابات و مقالات و منصات تهاجم بشكل جماعي كل صوت مختلف، لا بالحجة بل بالتخوين والسخرية والضغط. هذا السلوك لا يهدف إلى النقاش بل إلى إسكات الآخر. وكأن التعبير عن رأي مخالف أصبح تجاوزا غير مقبول، رغم أن الحق في التعبير مكفول صراحة في دستور المغرب 2011، الذي منح لكل مواطن الحق في إبداء رأيه في القضايا العامة بما فيها تدبير المال العام.

لكن الأخطر هو ما يحدث داخل الخطاب نفسه. هناك من يستدعي نصوصا قانونية خارج سياقها ليمنح كلامه مصداقية زائفة، كأن يستدل بقانون تنظيمي يهم التقاعد والمعاشات ثم يقدم على أنه يخص الوظيفة العمومية بشكل عام دون أدنى تحقق من دقة المعلومة. هذا النوع من الخلط لا يعكس فقط ضعفا في المستوى الاكاديمي و المنهجي الذي يعتمد التقصي و الدقة في الاستدلال، او في الفهم عموما ، بل يكشف استسهالا في تضليل القارئ وكأن القانون مجرد أداة للزينة لا مرجع للحقيقة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد. بعض ما ينشر اليوم يحمل بصمات جاهزة لا تخطئها العين، من قبيل عبارات مثل: “هل أكتب لك مقالا صحفيا تحليليا؟”. نصوص تنقل كما هي من أدوات الذكاء الاصطناعي دون مراجعة أو تهذيب، فتخرج بلغة باردة ومكررة، وتقدم على أنها رأي أو تحليل. هنا لا نتحدث عن توظيف ذكي للتكنولوجيا للتصحيح و جعل النص متناسقا لغويا، بل عن كسل مهني يفرغ الكتابة من روحها ويسقط عنها الحد الأدنى من المصداقية، يقتصر على توجيه مكون من سطرين و نقل كل ما كان جوابا دون حتى قراءة.

وعندما تغيب الحجة يحضر الهجوم الشخصي. بدل مناقشة الفكرة يتم استهداف صاحبها، التقليل من شأنه أو التشكيك في نواياه. هذا الأسلوب يكشف فراغا لا قوة، لأن النقاش الحقيقي لا يحتاج إلى إسقاط الآخر حتى يثبت نفسه.

وسط هذا كله تبقى الصحافة أمام اختبار صعب. الفرق واضح بين من يرى في المهنة مسؤولية، وبين من يحولها إلى وسيلة ترويج. و بين من منح نفسه سلطة توزيع تراخيص مزاولة مهنة الصحافة، لا يزال إلى اليوم غموض قائم في تحديد من يعد جزءا من الجسم الصحفي ومن يبقى خارجه .

الصحفي الذي يحترم نفسه لا يبيع صوته، ولا يستعمل قلمه لتلميع طرف أو تصفية حسابات. مهمته أبسط وأصعب في آن واحد… نقل الحقيقة كما هي حتى عندما تكون مزعجة.
اما بالنسبة للانتخابات فهي لحظة مفصلية، ليس فقط لاختيار ممثلين، بل لقياس مستوى الوعي الجماعي.
وإذا اختلطت الأصوات الصادقة بالضجيج المدفوع، تصبح مهمة المواطن أصعب لكنها ليست مستحيلة. التمييز بين الرأي الحر والرأي الموجه يبدأ من طرح سؤال بسيط: هل ما أقرأه يحترم عقلي، أم يحاول توجيهي دون أن أشعر؟

الاخبار العاجلة