بقلم : ليلى جاسم
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة ما بين شهري شتنبر وأكتوبر 2026، تدخل الأحزاب المغربية واحدة من أكثر مراحلها حساسية ودقة، عنوانها الأبرز: معركة التزكيات. ففي الكواليس التنظيمية، تتكثف الاجتماعات بالمقرات المركزية، وتشتد المشاورات بين القيادات والهيئات التقريرية، في سباق محموم لحسم لوائح المرشحين الذين سيحملون ألوان الأحزاب في انتخابات يُنتظر أن تعيد رسم موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية.
غير أن ما يفترض أن يكون محطة لترسيخ الديمقراطية الداخلية، تحوّل في عدد من الحالات إلى مصدر توتر وجدال واسع. فقد برزت أصوات من داخل بعض التنظيمات السياسية تنتقد ما تعتبره “مركزة مفرطة” في قرار منح التزكيات، وهيمنة واضحة للأمناء العامين أو الدوائر الضيقة المحيطة بهم على حساب آليات التشاور والاحتكام إلى القواعد الحزبية.
هيمنة القرار… وعودة الجدل حول تجديد النخب
أحد أبرز مظاهر الجدل يتمثل في منح التزكية لبرلمانيين قضوا ثلاث ولايات أو أكثر تحت قبة البرلمان، في مقابل إبعاد أسماء شابة أو كفاءات محلية تحظى بدعم تنظيمي وميداني. ويطرح هذا المعطى سؤالاً محورياً حول مدى التزام الأحزاب بمبدأ تجديد النخب، خاصة في ظل انتقادات موجهة لأداء بعض المنتخبين الذين لم يحققوا الأثر التشريعي أو الرقابي المنتظر، أو لم يحافظوا على دينامية التواصل مع دوائرهم الانتخابية.
ويرى أن استمرار نفس الوجوه، رغم تراجع الثقة الشعبية في الفعل السياسي، قد ينعكس سلباً على صورة الأحزاب ويعمّق فجوة العزوف الانتخابي، خصوصاً لدى فئة الشباب التي تبحث عن وجوه جديدة وخطاب سياسي متجدد.
فراغ ترشيحي في بعض الأقاليم… مؤشر مقلق
في المقابل، تعيش بعض الأحزاب وضعاً أكثر تعقيداً يتمثل في عدم حسمها لأي اسم مرشح بعدد من الأقاليم، وهو ما يكشف عن ارتباك تنظيمي أو ضعف في البنية المحلية، وربما تخوف من ضعف الحظوظ الانتخابية. هذا التأخر في الإعلان يضعف التعبئة المسبقة ويمنح المنافسين هامشاً زمنياً أكبر للتحرك الميداني.
مرحلة اختبار حقيقية:
الاستحقاقات المقبلة لا تمثل فقط سباقاً نحو المقاعد البرلمانية، بل تشكل امتحاناً لمدى قدرة الأحزاب المغربية على تكريس الشفافية والديمقراطية الداخلية كمدخل لاستعادة ثقة الناخبين. فطريقة تدبير التزكيات اليوم ستنعكس مباشرة على صورة الأحزاب غداً، وعلى مستوى تعبئة قواعدها وقدرتها على إقناع الرأي العام بجدية خطاب الإصلاح والتجديد.
في النهاية، تبقى الانتخابات معركة تبدأ من داخل البيت الحزبي قبل أن تُحسم في صناديق الاقتراع. ومن يحسن تدبير هذه المرحلة الدقيقة، قد يكسب رهان الثقة قبل أن يُعلن رسمياً انطلاق الحملة الانتخابية.

