فاس تحت الأنقاض… ومسؤولون تحت الصمت: من يوقّع شيك الموت باسم المنتخبين؟

فاس تحت الأنقاض… ومسؤولون تحت الصمت: من يوقّع شيك الموت باسم المنتخبين؟

بقلم مصطفى مجبر

انقضت ليلة الفاجعة بحي المستقبل بملحقة المسيرة بفاس، تاركة ركام العمّارتين يصرخ بوجوهنا كوثيقة مفتوحة على الإهمال، وثمنٌ دموي دفعته 22 روحاً بريئة وعشرات الجرحى وبينما ظلت فرق الإنقاذ تغوص في الأنقاض بحثاً عن آخر خيط حياة كانت الصدمة الأكبر في مكان آخر تماماً: في الكراسي الفارغة لمن يفترض أنهم “حماة المدينة”.

ففي اللحظة التي تجمّع فيها المسؤولون الترابيون في موقع الكارثة، كان مشهد الغياب السياسي صادماً ممثلو السلطة المحلية حضروا بينما ظل مقعد المنتخبين شاغراً وكأن المدينة التي انتخبتهم لا تعنيهم حين يناديها الألم.

اختفاء عمدة فاس عبد السلام البقالي وتحوّل هاتفه إلى مجرد “رنّات بلا جواب” لم يكن تفصيلاً عابراً ولم يكن مجرد غياب تقني أو تأخر بروتوكولي بل كان علامة فارقة على انهيار مفهوم المسؤولية قبل أن تنهار الطوابق.

فكيف يُعقل أن تغرق المدينة في الحزن بينما يغيب وجهها المنتخب عن أبسط واجب: الحضور الإنساني والمواساة؟ كيف لمن رُفع إلى المنصب بصوت الناس أن يغيب عنهم حين يصرخون طلباً للدعم؟

لكن الكارثة لم تبدأ لحظة السقوط… بل منذ سنوات حين تسللت “الطوابق الجشعة” إلى بنايات يفترض أنها مؤطرة ببرنامج إعادة الإيواء ،تلك الطوابق التي تحوّلت إلى شِراك موت مُعلقة فوق رؤوس الساكنة رغم أنها غير مرخّصة وغير مؤهلة هندسياً لتحمل أثقال إضافية.

فكيف شُيدت؟ وكيف مُنحت خدمات الماء والكهرباء رغم المخالفات؟ وأين اختفت لجان المراقبة التي يفترض أنها لا تنام؟

ما جرى ليس زلّة فرد أو خطأ معزول ما جرى شبكة من الاختلالات المتراكمة من التراخي في المراقبة إلى الصمت عن التجاوزات وصولاً إلى بيئة سمحت بنمو “الخرق القانوني” حتى أصبح كارثة مادية وبشرية.

والأخطر: استمرار هذا الصمت لحظة الانهيار حين غابت الوجوه التي كان يجب أن تكون أول المتواجدين، لا آخر المتذكرين.

فاجعة حي المستقبل لا تطلب الرثاء بل العدالة وتطلب تحقيقاً يعيد بناء الثقة قبل الحجر ويكشف كيف تحولت رخص التعمير إلى ثغرات وكيف أصبح البعض يضع المدينة بين فكي الإهمال والطمع.
إنها دعوة لربط المسؤولية بالمحاسبة وللتحقيق في كل يد تركت مخالفة تمرّ وكل مسؤول فضّل الصمت على المواجهة.

إن أرواح الضحايا ليست “خبراً عاجلاً” ينتهي بنشرة المساء إنها تركة ثقيلة لن تُغلق إلا بمحاسبة من قصّر ومن غاب ومن صمت ومن ترك فاس تنزف تحت حطام عمارتين… وحطام مسؤولية أكبر.

الاخبار العاجلة