مصطفى مجبر
شكّل تدبير المخاطر الطبيعية في المغرب أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة منذ منتصف القرن العشرين، حيث فرضت الفيضانات التي شهدتها مدن كفاس (1950) ومراكش (1963) وطنجة (2008) مراجعة عميقة للسياسات الترابية. فمن منطق التدخل الارتجالي بعد وقوع الكارثة، انتقلت الدولة إلى هندسة وقائية قائمة على الاستباق والتخطيط متعدد القطاعات.
في هذا الامتداد التاريخي، يندرج الاجتماع الذي ترأسه عامل إقليم إفران، السيد إدريس مصباح، لمناقشة التدابير الأولية لمواجهة الفيضانات المحتملة خلال فصل الشتاء. غير أن هذه المحطة تكتسي دلالة إضافية، بالنظر إلى المسار المهني للعامل، الذي شغل سابقًا منصب مفتش عام للمياه والغابات. فخلفيته التقنية والمعرفية في مجال تدبير الموارد الطبيعية مكّنته من مقاربة الموضوع برؤية مزدوجة: إيكولوجية دقيقة ومؤسساتية شمولية.
لقد شهد إقليم إفران، عبر تاريخه، سلسلة من الفيضانات التي طبعت الذاكرة الجماعية للسكان، إذ تسببت في عزلة بعض الدواوير وانقطاع الطرق وتضرر الممتلكات. هذا الإرث البيئي الصعب يجعل من أي اجتماع حول التدابير الوقائية حلقة ضمن مسلسل وطني طويل لمواجهة التغيرات المناخية. لكن ما يميّز الاجتماع الحالي هو الحضور التحليلي للعامل إدريس مصباح، الذي لم يكتفِ بالتوجيه العام، بل قدم توصيات عملية استندت إلى خبرته الميدانية، ومن أبرزها:
تنقية مجاري الأودية وإزالة الرواسب بشكل منتظم.
تعزيز البنيات التحتية للجسور والقناطر في النقاط السوداء.
إرساء خطط إجلاء سريعة وتعبئة المصالح الأمنية والمحلية في إطار خلية يقظة دائمة.
ربط التدابير الوقائية بالبعد البيئي عبر تهيئة الغطاء الغابوي والمجالات المائية بما يضمن امتصاص حدة الفيضانات.
إن توصيات العامل تعكس انتقالًا في منطق التدبير؛ فالرجل، بحكم تجربته السابقة في الغابات، يتعامل مع الفيضانات ليس كحدث طارئ فقط، بل كبنية متجذرة في علاقة الإنسان بالمجال. وهذا ما يمنحه القدرة على قراءة الظاهرة ضمن دينامية تاريخية تجمع بين التحولات المناخية العالمية والتحديات الترابية المحلية.
وعليه، فإن اجتماع إفران لا يمكن أن يُفهم باعتباره تدبيرًا تقنيًا ظرفيًا، بل محطة تاريخية تؤكد كيف يمكن للقيادة الترابية، حين تكون مسنودة بخبرة علمية متينة، أن تتحول إلى فاعل استراتيجي في صياغة رؤية وقائية متكاملة. فالمسألة لم تعد محصورة في حماية الأرواح والممتلكات فقط، بل ارتقت إلى رهانات الأمن البيئي والتنمية المستدامة، وهو ما يضع تجربة إقليم إفران في قلب التحولات الوطنية الكبرى لمواجهة آثار التغير المناخي.

