قلعة السراغنة… عطش ممتد منذ 2024 وصيف 2025 يعري عجز الحلول

قلعة السراغنة… عطش ممتد منذ 2024 وصيف 2025 يعري عجز الحلول

بقلم جليلة بنونة

منذ صيف 2024 تعيش مدينة قلعة السراغنة وضواحيها على وقع أزمة عطش خانقة، امتدت إلى غاية صيف 2025، لتتحول من ظرف استثنائي إلى مشهد يومي يثير استياء السكان والزوار على حد سواء.

جهات حقوقية ومدنية وسياسية نددت بما وصفته بـ”التقاعس الممنهج” في التعاطي مع مشكل الماء الصالح للشرب، محملة المسؤولية للهيئات المنتخبة التي اكتفت، بحسب تعبيرها، بـ”اعتذارات واهية” لا تسمن ولا تغني من عطش. وفي المقابل، ظلت الأحياء مثل حي الهدى والعواطف تنتظر شاحنات “ستيرنات” متنقلة لتأمين الحد الأدنى من حاجاتها.

الأسباب التي فجرت هذه الأزمة متعددة، لكن التقارير الرسمية والميدانية تكاد تجمع على ثلاثة محاور أساسية:

ندرة الموارد المائية نتيجة ضعف التساقطات وتراجع منسوب الفرشة المائية، حيث انخفض إنتاج العديد من الآبار والأثقاب بنسبة تصل إلى 60% في بعض المناطق.

اضطرابات تقنية في المحطات السطحية بفعل ارتفاع نسبة العكارة في المياه الخام القادمة من سد الحسن الأول، ما أدى إلى توقف محطات المعالجة في أوقات حرجة.

الضغط الاستهلاكي الموسمي خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، ما زاد من الطلب على المياه وتسبب في انقطاعات متكررة.

والآن، بالموازاة مع معاناة الدواوير المجاورة، تعاني المدينة الأم قلعة السراغنة أشد وأقسى من جيرانها. السكان يشكون من انقطاعات متكررة ومستدامة في تزويد المياه، خاصة في الأحياء الجديدة والوسطى، كما تعاني الشبكة المائية من ضعف وصيانة متردية في الأحياء القديمة، ما يجعلهم أكثر هشاشة في مواجهة موجات الحر والعطش المتزايد.

هذا الوضع دفع ساكنة عدة دواوير وجماعات قروية إلى تنظيم احتجاجات ومسيرات سلمية، حيث خرجوا للمطالبة بتوفير الماء وضمان توزيعه بشكل عادل. ففي عام 2024، شهدت جماعة الحافات مسيرات احتجاجية شارك فيها سكان سبعة دواوير، موجهين رسائل واضحة للسلطات بضرورة الاستجابة العاجلة للمشكل. أما في يوليوز 2025، فقد تصاعدت الاحتجاجات في جماعة سيدي عيسى بن سليمان، وسط حرارة الصيف وقساوة العطش، معبرين عن حالة الغضب والاستياء المتزايدين. كما عبر سكان جماعة واركي عن استيائهم الشديد عندما تم نقل مياههم إلى مناطق أخرى، معتبرين ذلك “تهميشا وتعسفا” دفعهم إلى التلويح باتخاذ إجراءات قانونية.

رغم هذه الأصوات المرتفعة والضغط الشعبي، لا تزال الاستجابات متأخرة، والمشاريع الهيكلية المؤجلة، مثل محطة المعالجة الجديدة في جماعة الدزوز، تنتظر سنوات قبل أن ترى النور.

وفي تصريح خاص، أكد الأستاذ عزالدين اللوزي، الفاعل الحقوقي ورئيس المكتب الإقليمي لاتحاد مرصد الحريات وحقوق الإنسان، أن “أزمة العطش في قلعة السراغنة سببها الرئيسي غياب الرؤية الاستراتيجية لدى مكونات الأغلبية للمجلس البلدي على مدى سنوات خلت، حيث أغرقت المدينة بالإسمنت والتجزئات السكنية دون التفكير في حاجيات الساكنة من هذه المادة الحيوية. هذا الواقع ترك المدينة غارقة وسط مطلبين أساسيين: تأمين الماء وفسخ العقد مع شركة النظافة التي أضرت بالمدينة وأثارت استياء السكان بسبب تراكم الأزبال التي أزكمت الأنوف وفسدت المشهد الحضري.”

وأضاف الأستاذ اللوزي: “بدل أن تنطلق الساكنة للمطالبة بهوية تنموية حقيقية تشمل ملاعب قرب، كلية، مستشفى، معاهد، فضاءات رياضية وسوسيو-ثقافية ومنتزهات، ظلت المدينة تتأرجح بين مطالب الماء والاحتجاج على الأزبال. مشاهد توزيع الماء بالصهاريج على بعض التجزئات ستظل وصمة عار على جبين النخب السياسية في الإقليم.”

اليوم، لم تعد أزمة قلعة السراغنة مسألة محلية معزولة، بل جرس إنذار لسياسات التدبير المائي على المستوى الوطني، ورسالة واضحة مفادها أن الحق في الماء ليس شعارا انتخابيا، بل قضية حياة أو موت تستدعي حلولا عاجلة وجذرية قبل أن يصبح العطش عنوانا دائما لهذه المدينة.

الاخبار العاجلة