بقلم جليلة بنونة
في قلب المغرب، تستقر مدينة قلعة السراغنة، بعراقتها الضاربة في جذور الزمن، وغناها الفلاحي والحرفي والروحي. مدينة يفاخر بها كل من مر بها أو سكنها، لما تختزنه من تاريخ مشرق، وما تزخر به من مؤهلات طبيعية وبشرية، تعد بحق رأسمالا وطنيا يستحق من الدولة عناية مضاعفة ومن المنتخبين التزاما حقيقيا.

فهذه المدينة التي طالما تغنت بمروج الزيتون الممتدة على مد البصر، والتي احتضنت عبر العصور قبائل عربية وأمازيغية تماهت في فسيفساء اجتماعية قل نظيرها، لا تزال شاهدة على ماض عمراني وازن، يعود إلى عهد يوسف بن تاشفين حسب بعض الروايات، أو إلى حقبة المولى إسماعيل حسب أخرى. وما بين تأسيس القلعة في عصور الجهاد وبناء المساجد والسواقي، ونشأة الأسواق القروية والطريق الملكية، كانت السراغنة على موعد دائم مع النماء.
غير أن هذا المجد الحضاري، بدأ في العقود الأخيرة ينحسر، ويذبل أمام أعين ساكنة تكابد يوميا ويلات التهميش والتدبير المرتبك. فمن مدينة كانت توصف بـ”سر الغنى”، بتنا اليوم أمام واقع عنوانه البارز: العطش، الظلام، التلوث، والفراغ.
في عز صيف لاهب، وسط درجات حرارة تتجاوز 41 درجة، تنقطع المياه الصالحة للشرب لساعات، وأحيانا لأيام، عن بيوت الأسر دون سابق إنذار. مشهد عبثي، يكشف هشاشة البنية التحتية المائية، وعجز السياسات الترقيعية عن استباق الكوارث المناخية. المواطن، الذي لا يملك بديلا سوى قنينات السوق أو خزانات مهترئة، يساق نحو معاناة مزدوجة: صحية واقتصادية، في انتهاك صريح للحق الدستوري في الماء.
وفيما العطش ينهك الأجساد، تحلك الشوارع ليلا في صمت مريب، بسبب إنارة عمومية شبه منعدمة في عدد من الأحياء. ظلام لا يحجب الرؤية فقط، بل يغطي تحركات المجرمين ويعطل التدخلات الأمنية، ويزرع الخوف في نفوس النساء والأطفال. ويبدو أن البنية الكهربائية المهترئة وغياب الصيانة الدورية، ساهمت في خلق أحياء خارج الزمن، يراكم فيها الخارجون عن القانون “انتصاراتهم” الليلية في غياب حسيب ورقيب.
أما خلال النهار، فصورة أخرى للخذلان: عربات مجرورة تتجول بلا رقيب، مخلفة فضلاتها في الطرقات، أمام المدارس، وأمام بيوت الله دون خجل أو استحياء. مدينة تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة، ولا أحد يحرك ساكنا. أين هي السلطة المحلية؟ وأين هي دوريات الجماعة التي من المفترض أن تفعل المراقبة وتفرض العقوبات المنصوص عليها في القوانين التنظيمية للجماعات؟
ولعل ما يزيد من وطأة الشعور بالحيف، هو الوضع الصحي المأزوم. فلا مستشفى إقليمي يرقى إلى كرامة المواطن، ولا مستوصفات مجهزة تحفظ له حقه في التطبيب، ولا أطر صحية كافية تسد الخصاص. مشاهد الازدحام، والتوجيه العشوائي، والنقص الفادح في المعدات، باتت يومية. ليجد المواطن نفسه مكرها على التوجه نحو المصحات الخاصة، مرغما لا بطلا، وهو يعلم أن جيبه لا يتحمل تكلفة العلاج. وفي كل ذلك، استهانة صريحة بحق دستوري هو الحق في الصحة، وخرق فاضح لمبدأ تكافؤ الفرص أمام المرض.
ومع كل هذه المشاكل اليومية، يجد شباب المدينة أنفسهم في فراغ قاتل. لا مسابح عمومية تخفف عنهم وطأة القيظ، ولا ملاعب قرب تسمح لهم بتصريف طاقاتهم، ولا مراكز ثقافية أو حدائق حقيقية تليق بتطلعاتهم. مدينة بشريط فلاحي خصب، ومؤهلات سياحية هائلة، لكنها بلا رؤية تنموية تفعل هذه الموارد وتحولها إلى فرص.
ثم يأتي غول الإسمنت ليقضي على البقية: مشاريع بناء، اجتياح عمراني لا يراعي التوازن البيئي، ولا يحترم الجمالية الطبيعية للمدينة. وكل هذا يحدث دون استثمارات مهيكلة، أو مصانع، أو مشاريع توفر فرص الشغل لآلاف العاطلين، وتمنح للمدينة وجها يليق بموقعها الاستراتيجي.
فأين الخلل؟ من المسؤول عن هذا التراجع المقلق في قلعة السراغنة، مقارنة مع مدن مشابهة كانت بالأمس القريب أقل حظا منها؟
هل هي حصيلة مجلس جماعي عاجز عن التسيير؟ أم أننا بصدد تراكمات تقاعس سياسي عمره عقود، حيث تعاقب على المدينة منتخبون غلبت عليهم الحسابات الضيقة والولاءات الحزبية، أكثر من انشغالهم الفعلي بقضايا المواطن؟
وأين موقع هذه المدينة من برامج الدولة في التنمية المجالية والعدالة الترابية؟
إن ما يقع في قلعة السراغنة اليوم ليس مجرد سلسلة من الأعطاب العرضية، بل هو انعكاس لفشل بنيوي في الرؤية والتخطيط والتنفيذ. مدينة تستغيث، وتنتظر من يرفع عنها هذا التردي، لا بشعارات موسمية، بل بإرادة حقيقية، ومساءلة حازمة، وقرارات جريئة تعيدها إلى مكانتها التي تستحق.
فإلى متى ستظل القلعة رهينة الصمت، وموطن الغنى رهين الفقر التنموي؟


