عبد الله آيت المودن
في خطوة غير مسبوقة أعادت المحكمة الدستورية ترتيب أوراق المشهد التشريعي المغربي، بإسقاطها لمجموعة كبيرة من المواد الأساسية ضمن مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 23.02، الذي أحيل عليها من طرف رئيس مجلس النواب. القرار، الذي وصفه مهتمون بـ”الزلزال القانوني”، لم يكن مجرد إبطال تقني لبعض الفصول، بل كان بمثابة إعلان دستوري يؤكد أن لا سلطة تعلو فوق الدستور، وأن القضاء يجب أن يظل مستقلاً محصنًا من كل تدخل.
ففي قراءة جريئة وعميقة للنصوص المقترحة، خلصت المحكمة إلى أن عشرات المقتضيات الواردة في المشروع لا تحترم المبادئ الدستورية، وعلى رأسها ضمانات المحاكمة العادلة وفصل السلط. الأكثر دلالة في هذا القرار، أن المحكمة الدستورية لم تجد جدوى في فحص باقي المواد، ما يُبرز عمق الاختلالات البنيوية التي شابت القانون في صيغته المحالة.
واحدة من أبرز المواد التي تم إسقاطها تتعلق بإجراءات التبليغ، حيث رأت المحكمة أن الصيغة المقترحة كانت ستُحدث ثغرات قانونية خطيرة، قد تُفرغ مبدأ المحاكمة العادلة من محتواه، وتعرض حقوق المتقاضين للضياع، لا سيما في ما يتعلق بتلقي الإشعارات والاطلاع على المساطر.
أما الضربة الكبرى، فقد وجهتها المحكمة للمادتين 408 و410 اللتين كانتا تتيحان لوزير العدل صلاحية طلب إحالة قضاة بدعوى “الاشتباه في تجاوز السلطة” أو “التشكك المشروع”، وهي صلاحية رأت المحكمة أنها تقوض مبدأ استقلالية القضاء، وتفتح الباب أمام تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي، مما يهدد التوازن الدستوري بين السلط ويقوّض الثقة في العدالة.
إن هذا القرار ليس فقط رفضًا لصياغات قانونية متسرعة، بل هو تذكير صريح للسلطة التشريعية والتنفيذية بضرورة احترام روح الدستور قبل نصوصه، والتزام الصرامة والدقة في كل ما يتعلق بحقوق المواطنين واستقلال المؤسسات. هو أيضًا رسالة تطمينية للرأي العام تؤكد أن المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، ما تزال تؤدي دورها كضامن فعلي للحريات والحقوق، وكسدّ منيع أمام كل محاولات الالتفاف على الضمانات الدستورية.
لقد أعادت المحكمة بهذا القرار رسم الحدود بين السلط، وأثبتت أن التشريع ليس فقط فنًا في الصياغة، بل مسؤولية دستورية تتطلب احترام الثوابت الوطنية والحقوق الأساسية للمواطنين. فهل تلتقط الحكومة والبرلمان الرسالة هذه المرة؟

