تراجع قوارب نهر أبي رقراق: مخاوف من اندثار التراث الثقافي
تعاني قوارب نهر أبي رقراق من تراجع ملحوظ في استخدامها من قِبل السكان والزوار، برغم أنها كانت تمثل وسيلة نقل شعبية ووجهة سياحية جذابة بين مدينتي الرباط وسلا. يُشير المهنيون إلى أن هذا النشاط التقليدي يواجه خطر الاندثار.
تعود أصول قوارب أبي رقراق إلى تاريخ طويل يمتد لقرون، حيث كانت تُستخدم كوسيلة نقل رئيسية قبل بناء الجسور الحديثة. وقد اعتمد عليها السكان في تنقلاتهم اليومية إلى العمل والأسواق، كما لعبت دورًا مهمًا في توصيل البضائع بين ضفتي النهر قبل أن يتوسع الميناء التجاري.
استمر هذا التقليد حتى أوائل القرن الحادي والعشرين، حيث أُعيد إحياء القوارب ضمن مشروع تطوير وادي أبي رقراق الذي هدف إلى تعزيز السياحة، وجعل القوارب عنصرًا جاذبًا يُظهر الطابع المحلي ويعكس جمال النهر ومآثره التاريخية مثل قصبة الأوداية وبرج النصر وصومعة حسان.
ومع ذلك، لم تستطع هذه القوارب الحفاظ على مكانتها بسبب غياب البنية التحتية الملائمة. إذ يفتقر نشاط القوارب إلى الترويج السياحي والدعم المؤسسي، مما أدى إلى تراجع الإقبال عليها. فقد برزت منافسة قوية من اليخوت الحديثة التي تقدم خدمات ترفيهية فاخرة، مما جعل مستقبل هذه القوارب يسير نحو التهديد، خصوصًا في ظل عدم رغبة الشباب في وراثة هذه المهنة التقليدية.
وفي تصريح لصحيفة “almap”، أعرب أمين مهنيي القوارب عن أن الزوار يفضلون الرحلات البحرية عبر اليخوت بسبب طابعها العصري. وبين أن القوارب التقليدية تعاني من اختلالات عديدة، مثل غياب التنظيم ومرافق العمل الملائمة، إذ يفتقر العاملون فيها إلى المظلات والإضاءة، مما يضطرهم للعمل تحت الشمس الحارقة، مما يزيد من تدهور هذا النشاط.
أضاف المتحدث أن التسعيرة الرمزية التي كانت تبلغ درهمين ونصف قديمة جدًا ولم تكن كافية لجذب الزبائن، بعدما أصبحت المنافسة تمثل تحديًا أكبر من وسائل النقل الترفيهية الحديثة.
وعبّر سعيد، أحد المهنيين المخضرمين، عن خيبة أمله من الوضع الحالي، مشيرًا إلى تراجع كبير في الإقبال، وخاصة من مرتادي مارينا أبي رقراق. وأرجع ذلك إلى ما وصفه بـ “المنافسة غير العادلة” وتراجع مستوى المرافق، إلى جانب الظروف السيئة المرتبطة بمساحة العمل، مع انتشار النفايات وانعدام الأمن، لا سيما في الاتجاه نحو مدينة سلا. وطالب بضرورة التدخل العاجل من أجل صيانة الأرصفة وتحسين ظروف العمل.
بدوره، أكد محمد، أحد المهنيين، أن المهنة تمر بمرحلة حرجة بسبب الإهمال المستمر، سواء من حيث النظافة أو البنية التحتية أو حتى الاعتراف الاجتماعي. ويعكس ذلك التهديد المتزايد لمستقبل هذه القوارب.
تظل قوارب أبي رقراق أكثر من مجرد وسائل نقل أو نشاط سياحي، إذ تمثل رمزًا حيًّا لهوية مجتمع الرباط وسلا وتعد مصدر دخل لعشرات العائلات. كما تساهم في تنشيط الأنشطة التجارية في المنطقة، من مقاهٍ وأسواق تقليدية، وتوفر فرص عمل لفئة من الشباب الذين يعتمدون على هذا القطاع كمصدر رئيسي.
يعبر العاملون في هذا المجال عن مطالبهم للسلطات المحلية والمؤسسات المعنية بالتدخل لتوفير الدعم اللوجستي والترويجي، والذي يعد ضروريًا لضمان استمرار هذه المهنة التراثية أمام تحديات العصر واحتياجات السياح المتغيرة.

