الاحتجاجات الموسمية بإقليم تاونات… من النضال الحقيقي إلى الابتزاز السياسي

الاحتجاجات الموسمية بإقليم تاونات… من النضال الحقيقي إلى الابتزاز السياسي

يونس لكحل

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تعود إلى الواجهة ظاهرة قديمة متجددة بإقليم تاونات، تتجلى في تحريك بعض التمثيليات الحزبية للمواطنين نحو الاحتجاجات والمسيرات صوب مقر عمالة الإقليم، وكأنها صحوة متأخرة تعبر عن معاناة تنموية عمرها سنوات. لكن الواقع السياسي يكشف ما وراء هذه الظاهرة، ويطرح تساؤلات مشروعة حول صدقية هذا النوع من ” النضال الموسمي “.
في الظاهر، تُرفع شعارات التنمية والمطالب الاجتماعية، لكن في العمق، الأمر لا يعدو أن يكون محاولة فاضحة للضغط على السلطات لأهداف انتخابية ضيقة. فالأحزاب التي تحرك هذه الاحتجاجات غالباً ما تكون غائبة طيلة الولاية، ومنتخبوها شاركوا في كل أشكال التدبير المحلي، بل كانوا أول المصادقين على الميزانيات والمشاريع والصفقات، دون أن يبدوا أي اعتراض أو مساءلة.
هؤلاء المناضلون الموسميون يختفون سنوات، تاركين المواطن يواجه الهشاشة والتهميش، ليعودوا فجأة في الزمن الانتخابي، مرددين نفس الشعارات، محاولين لعب دور المنقذ الغيور على المصلحة العامة، وهم في الحقيقة مجرد واجهة لتحركات مدروسة الهدف منها ليس إصلاحاً حقيقياً، بل تسويق أنفسهم مجدداً أمام صناديق الاقتراع.
وما يزيد من خطورة هذا السلوك هو تكرار تحويل الاحتجاج من وسيلة ضغط مشروعة إلى أداة للابتزاز والمساومة، مما يفقد المواطن ثقته في كل دينامية مدنية حقيقية. كما يتم الزج بمطالب الساكنة في أجندات انتخابوية، تفرغ أي مطلب اجتماعي من مضمونه، وتُرجع النقاش السياسي إلى منطق ” من معنا ومن ضدنا “.
والمطلوب اليوم هو وعي مجتمعي حقيقي يميز بين من يدافع عن قضايا الناس بجدية واستمرارية، ومن يستغلهم كأداة انتخابية ظرفية. كما أن على السلطات والمؤسسات المنتخبة عدم الوقوع في فخ هذا الابتزاز، وتقييم الجهات المطالبة بناء على أدوارها المؤسسية طيلة الولاية وليس قبل الانتخابات فقط.
فالفاعل السياسي الصادق لا يحتاج لحناجر مرتفعة قبيل الانتخابات، بل لاقتراحات ودينامية ومعارضة بناءة ومواقف واضحة طيلة السنوات الانتدابية ، تُوثق في المحاضر والقرارات والمبادرات الملموسة. أما من يسكت دهراً وينطق ” احتجاجاً ” فقط مع قرب صناديق الاقتراع، فحقيقته مكشوفة : مناضل من ورق، يطير مع أول رياح التغيير وهذه هي الحقيقة التي يؤكدها التاريخ دوما …
والسلطات الإقليمية ، بكل مستوياتها، تعلم جيداً هذا النمط الموسمي من التحرك السياسي، وتدرك أن كثيراً من هذه ” الاحتجاجات ” لا تعكس بالضرورة تعبيراً تلقائياً عن معاناة الساكنة، بل تكون في الغالب محاولات مكشوفة لإعادة التموضع السياسي من قبل بعض المنتخبين أو الفاعلين الحزبيين مع اقتراب موعد الانتخابات.
لأن السلطات ثمثل سلطة الدولة ولها القدرة العميقة بشكل دقيق في قراءة السياقات الزمنية والسياسية لهذه التحركات، وتعرف الخلفيات الحقيقية لها، خصوصاً حين تصدر من وجوه سياسية غابت عن الميدان وعن أداء مهامها التمثيلية لسنوات. ولذلك، غالباً ما تتعامل السلطات بنوع من ضبط النفس والقراءة الهادئة، مع الحفاظ على مبدأ الحوار المفتوح مع الفاعلين الجادين.
لكن القراءة الرصينة لهذه الظاهرة تبرز الخطورة التي تكمن ليس فقط في الاستغلال السياسوي لمثل هذه التحركات ، بل في تشويش النقاش العام، وتحريف بوصلة المطالب الحقيقية للساكنة. فحين يصبح ” الاحتجاج ” موسماً انتخابياً بدل أن يكون فعلاً نضالياً مستمراً، تضعف الثقة، ويضيع المواطن بين من يدعي الدفاع عنه، وبين من يعمل فعلاً لصالحه.
من هنا، فإن على الرأي العام أن يعي هذا الأسلوب ويحصنه بالوعي السياسي، وألا يُسمح بتكرار خداع الناس كل خمس سنوات، فالتغيير الحقيقي لا يأتي من فوضى اللحظة، بل من المساءلة المستمرة والمحاسبة الواعية طيلة الولاية.
كما يجب التأكيد على أن للمجالس المنتخبة مسؤولية مباشرة وأساسية في بناء الثقة وتعزيز التواصل الجاد والمسؤول مع المواطنين، ليس فقط في الحملات الانتخابية، بل طيلة الولاية الانتدابية، فمن مهام هذه المجالس أن تقوم بإبراز الإنجازات الواقعية التي تحققت على الأرض، سواء في البنية التحتية، أو التعليم، أو الصحة، أو الماء، وغيرها من القطاعات، مع ضرورة تقديم شروح واضحة حول الإكراهات التي تعيق تعميم التنمية على كل التجمعات السكنية، خاصة في المناطق القروية والجبلية، حيث تعترض التنمية تحديات جغرافية ومالية ولوجستيكية معقدة…
فإمتلاك قوة البرهنة الواقعية، والقدرة على التوضيح الصريح للمواطنين، هو ما يميز المنتخب الجاد عن الانتهازي الموسمي. فالتواصل ليس مجرد نشر خبر أو صورة، بل هو مسار من التفاعل المسؤول والمقنع، المبني على لغة الأرقام، والبرامج، والمشاريع، والحقائق.
أما الصمت أو الغياب عن المواطنين طيلة الولاية، وترك الفراغ مفتوحاً أمام الخطابات الشعبوية، فإنه يكرّس العزوف وفقدان الثقة، ويجعل المجال مفتوحاً أمام كل من يريد الاستثمار السياسوي في معاناة المواطنين.
والمطلوب اليوم من المجالس المنتخبة أن تتحلى بالشجاعة في شرح الصعوبات، وأن تظهر الإنجازات بوضوح وواقعية، لا أن تكتفي بالتبرير أو الانغلاق، فذلك جزء أساسي من الديمقراطية التشاركية والتنمية المستدامة…

الاخبار العاجلة